لبنان.. السلطة والمافيا
حازم الأمين

لبنان انتهى كدولة وكمنظومة سياسية وإدارية. السلطة فيه اليوم عبارة عن توافق مافياوي بين ممثلي مذاهبه وطوائفه، والرؤساء هم أسوأ ما للمافيات من زعماء. ومشكلتنا، نحن رعايا المافيات ومواطنو بؤرها ومساحات نشاطها، هو أن العالم الذي يشهد كل يوم على سوء السلطة وعلى تفككها لم يسلِم بعد بما يعاينه ويختبره.

جاء الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إلى لبنان مرتين، وتلقى وعدا من المافيا بأن حكومة من اختصاصيين من غير الحزبيين ستتشكل في غضون أيام، ومضى أشهر ولم تتشكل الحكومة، وها هو على مشارف الزيارة الثالثة، وستكون المافيا نفسها في استقباله!

آخر فصول الأداء المافياوي كان رفض وزير الداخلية اللبناني، محمد فهمي، تنفيذ قرار قضائي يقضي بتبليغ رئيس الحكومة حسان دياب أمراً قضائيا ينص على ادعاء قاضي التحقيق في جريمة المرفأ فادي صوان عليه بقضية انفجار المرفأ، الذي أسفر عن مقتل أكثر من مئتي مواطن وجرح زهاء ستة آلاف وتدمير نحو ثلث العاصمة بيروت، هو وثلاثة وزراء سابقون للأشغال العامة.

وزير يعلن على الملأ أنه يرفض تنفيذ قرار قضائي. الوزير من الطائفة السنية، والرئيس المدعى عليه من الطائفة نفسها، وفي دولة المافيات هذه معادلة لا تصح!

الوزراء المدعى عليهم تحصنوا أيضاً بالمجلس النيابي. هذا المجلس يرأسه شيعي، وفي هذا إشارة أخرى لنوع مشابه من الحصانة. وهذه حسابات تفوق دماء اللبنانيين المهدورة في الانفجار أهمية وقيمة. فوظيفة السياسة في دولة المافيات هي حماية المرتكب.

المجتمع الدولي ما زال يتعامل مع هذه المهزلة بصفتها صادرة عن دولة وعن كيان سياسي يملك شرعية. لم يبق شيء لم تقدم هذه السلطة على انتهاكه. السرقة والكذب والارتهان وإهانة رؤساء دول كبرى ومراوغة المؤسسات المالية العالمية وجريمة المرفأ وتهريب المواد الأولية المدعومة من ودائع الناس، وكم الأفواه وتهريب العملاء وتبييض الأموال، ناهيك عن تشريع السلاح غير الشرعي والقتال خارج الحدود، وكل هذا يجري على مرأى ومسمع كل العالم. وحتى الآن لم يعلن هذا العالم سحب اعترافه بهذا الكيان المافياوي!

ما لا شك فيه هو أن الطبقة الحاكمة تستبق النهاية بمحاولة السطو على آخر ما تبقى من الإرث. وهي إذ تعجز عن تخيل شكلٍ للنهاية، تعتقد أن فسادها سيعقبه نظام فساد آخر تتمكن فيه من التقاط أنفاسها، وأن الناس غَنَم ستخضع لأقدارها. فالجشع الذي لم تروه كل السرقات المعلنة التي شهدها العالم كله، لا يمكن لعاقل أن يفسره إلا بوصفه شعوراً لدى أصحابه بأن المزيد من السرقة أمر ممكن، وأن الكف عنه سيتيح لآخرين استئنافه.

يقول ديبلوماسيون في صالوناتهم أن ماكرون في زيارته المقبلة سيوبخ الرؤساء بسبب عدم التزامهم بوعودهم له بتشكيل الحكومة! لا بأس، فأكبر حفلة توبيخ لن تدوم أكثر من ساعة. على هذا النحو يفكر رؤساؤنا وعلى هذا النحو يتصرفون. سبق أن نزل أكثر من نصف مليون لبناني إلى الشوارع، وكانت حفلة التوبيخ الأكبر في تاريخ لبنان، وأمضى اللبنانيون أشهراً في الشوارع وأبدعوا في الشتم، وما أن أشاح الناس بوجههم عنهم في ظل تفشي كورونا، حتى استأنف المشتومون مسيرتهم من دون أن يرف لهم جفن.

لا حكومة قبل أن يطمئن حزب الله إلى أن ثمة إدارة أميركية جديدة ستتعامل مع طهران على نحو مختلف. هذه المعادلة تتولى مافيا السلطة المرتهنة للحزب إدارتها. سيأتي ماكرون وسيطلقون له وعوداً جديدة، وسيكذبون عليه ولن ترطب وجوههم توبيخاته، فهم اعتادوا عليها، وهم مرتهنون لمن هم أقل منه سلطة ونفوذاً، وكراماتهم معروضة في بازارات أخرى ليست فرنسا واحدة منها.

لكن هل لهذا التهافت من نهاية؟ وهل للهاوية من قعر؟ هذا سؤال يواصل اللبنانيون طرحه على أنفسهم، في ظل مواجهتهم يومياً مزيد من الكوارث!

الجائحة لن تستمر إلى الأبد، والجوع الحقيقي مصير محتوم في ظل قدر صار قريباً يتمثل في رفع الدعم عن السلع الغذائية. دولة الفساد الموظفة في خدمة حزب الله ستجد نفسها في مواجهة مواطنها الجائع، وهو جائع قبل أن يكون شيعياً أو سنياً أو مسيحياً. المتظاهرون لن يكونوا أبناء الطبقة المتوسطة الذين صنعوا ثورة تشرين التي قضى عليها حزب الله. وأغرب ما في هذا القدر من عناصر هو أن الحزب الذي اعتقد بأنه يطوع الطبقة السياسية عبر رشوتها بالغنائم، لم ينتبه إلى أن السقوط سيكون سقوطه هو أيضاً، وأن الهيكل سيقع على رأس الجميع ومن بينهم هو!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى