لبنان.. لن نشهد طلاقاً بين حزب الله والعونيين
حازم الأمين

ليس ما نشهده في لبنان من احتقان بين حزب الله والتيار العوني، نهاية “تفاهم مار مخايل”. فالتفاهم كان بداية استتباع في مقابل أثمان زهيدة دُفعت لميشال عون ولاحقاً لصهره جبران باسيل، وبما أن الاستتباع تم ولم يعد ممكناً العودة عنه، فإن جبران سيقبل بأثمانٍ أقل بعد أن تقاعد عمه. تصريحات جبران، في أعقاب احتقان علاقته بحزب الله، تؤشر في كل جملة “تصعيدية” رددها إلى أنه بصدد العودة عنها.

“التفاهم” بخير، والاحتقان لا يرقى إلى مستوى التهديد بإطاحته. جبران من دون حزب الله أقل من يطيح بنصاب أمن لحزب الله نفوذاً في السياسة موازياً لنفوذه الأمني والعسكري. وهو يعرف أن بمستطاع حزب الله تفكيك تكتله النيابي، وله بما جرى في قضية انعقاد مجلس الوزراء درساً لكي يتعض، فهو بغمزة عين استدعى وزيراً من تكتل باسيل ليؤمن النصاب للجلسة.

للحزب حصة وازنة في التيار وفي تكتله النيابي، ولم يعد ممكناً تخليص الخيوط العونية من الخيوط الحزب اللهية التي تشكل نفوذ باسيل، ونفوذ عمه. ثمة أكثر من درس وإشارة على هذا الصعيد، بدءاً من حزب الطاشناق، ومروراً بنائب رئيس مجلس النواب الياس أبو صعب ووصولاً إلى نائب جزين السابق زياد أسود.

العونية في أعقاب “تفاهم مار مخايل” لم تعد هي نفسها قبله. والعونية من دون حزب الله انحسرت، وصارت دائرة ضيقة من المستفيدين الذين أنعم عليهم جبران بالعطاءات. وهي على كل حال طبقات متفاوتة الولاء وموزعته بين مراكز قوى ليس جبران وحده من يتحكم بوجهتها. لكن التيار العوني في تذرره وذوائه لن يعدم مساعدة من الحزب تغيثه وتنتشله من احتمالات الفناء، فليس للحزب من مسيحيين غيره.

نحن لا نشهد نهاية “تفاهم مار مخايل” الذي حكم الحياة العامة في لبنان منذ ولادته قبل نحو 17 عاماً، لكننا نشهد أفولاً وذواء للعونية بوصفها التيار المسيحي الأوسع. وهي في مرحلة الأفول ما زالت تشكل حاجة لحزب الله، وهذا الأخير لديه القدرة على التحكم بمساراتها. لكن هذه الحاجة لم تعد تصلح للمقايضة بأثمان كان سبق أن دفعها الحزب لمُستَتْبعه المسيحي، فهي في وضعها الراهن لا تساوي أكثر من حصة في الحكومة.

إنها بداية نهاية وظيفة المسيحيين في لبنان. الطريق الذي شقه ميشال عون نحو الهاوية. فالاستعصاء اللبناني هو في جوهره استعصاء مسيحي، ذاك أن السنة في سباتهم الراهن، وفي انكفاء زعامتهم وتقهقرها، راسخون في موقعهم بوصفهم امتداداً لأكثرية يصعب حتى على حزب الله تفاديها. أما الشيعة فالأمر لهم هذه الأيام، وحزب الله هو القوة الراجحة اليوم.

المسيحيون في ذروة “إحباطهم” في زمن الوصاية السورية، كانوا قوة محدِدة ومرجحة، وكانوا بوصلة اجتماعية واقتصادية، وكانوا المجتمع العميق الذي يؤشر اللبنانيون إليه بوصفه نموذجهم. أما اليوم وبعد أن ساقهم ميشال عون إلى مصائرهم الراهنة، وقايض بهم السلاح والنفوذ والفساد، فقد فقدوا ما كانوا يتمتعون به من جاذبية ومن طاقة على مخاطبة طموحات غيرهم من اللبنانيين.

سيواجه حزب الله صعوبة في إيصال مرشحه المعلن سليمان فرنجية إلى بعبدا، طالما أن الأخير لا يملك “غطاء مسيحياً”! إلا أن الصعوبة هذه هي من “عدة الشغل” التي تولد منها التسوية. وهي تسوية ستؤمن للحزب مخرجاً يناسبه. فالرئيس العتيد سيولد من صفقة لن تكون على حساب حزب الله، ومن يتوهم غير ذلك عليه أن يشيح بوجهه عن المشهد الداخلي الذي يملك فيه الحزب الغلبة على كل حال، وأن يتأمل بالمشهد الإقليمي والدولي، ويلاحظ أننا لسنا في مرحلة ما بعد حزب الله. إسرائيل أنجزت مع الحزب تسوية الحدود البحرية، وأوروبا لا تريد إلا النفط والغاز من إيران والعراق، ولاحقاً من لبنان ومن إسرائيل، وأميركا ستواصل عقوباتها، لكن آخذة بعين الاعتبار مصالح حلفائها مع الحزب ومع رعاته في طهران.

أما لبنان، وفي ظل الشلل المسيحي فيه، فلن يحظى برئيس للجمهورية في موعد قريب، وذلك لن يزعج الحزب طالما أن الوظيفة الراهنة لهذا البلد هو استمراره بوصفه ساحة مفتوحة.
الكوابيس ستواصل اشتغالها. لا كهرباء ولا ماء ولا خدمات صحية، والفراغ سيصبح سمة ثابتة، والنجاة لن تكتب إلا لمن ينجح بالمغادرة.

هذا المصير هو حصيلة سنوات مديدة من العمل الدؤوب الذي نجح فيه حزب الله في الانتقال بلبنان إلى ما هو عليه اليوم، وساعده في مهمته كل من شاركه بحكومة وبانتخابات وبـ”تفاهمات”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى