لبنان: وزراء من جنسية فرنسية والحكومة قبل 14 أيلول

كتب سعد الياس في صحيفة “القدس العربي” تحت عنوان “هل تبصر الحكومة النور قبل 14 أيلول؟”: “بعد الانتهاء من المشاورات الشكلية مع الكتل النيابية حول التشكيلة الحكومية العتيدة، بدأ وقت الامتحان الفعلي وترجمة التعهّدات التي أطلقت أمام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لإنجاز حكومة في أسرع وقت ممكن وضمن مهلة الأسبوعين التي حدّدها سيّد الإليزيه.

وتفيد المعلومات أن الرئيس المكلّف السفير مصطفى أديب عبّر أمام مقرّبين عن عزمه على إنجاز حكومة مصغّرة من 14 وزيراً قبل 14 ايلول، وهي مهلة قصيرة جداً قياساً على الفترات التي كان يستغرقها تأليف الحكومات في لبنان والتي وصلت بعد تكليف الرئيس تمام سلام إلى حد البقاء 11 شهراً في حال الانتظار. ولكن أديب يأمل في أن تلتزم القوى السياسية ما قطعته من وعود بعدم المطالبة بحصص وعدم وضع عراقيل ومطبّات أمام التأليف على غرار ما كان يتمّ في مراحل سابقة وخصوصاً مقولة الرئيس ميشال عون الشهيرة خلال شدّ الحبال حول توزير صهره النائب جبران باسيل في حقيبة الطاقة “لعيون صهر الجنرال ما تتشكّل الحكومة”.
إلا أن الرئيس المكلّف وفي خلال زيارته الأخيرة قصر بعبدا ولقائه الرئيس عون لمس تجاوباً غير اعتيادي من قبل سيّد القصر، كان سبقه إليه رئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل نفسه خلال الاستشارات عندما لم يمانع موضوع المداورة في الحقائب بشرط أن يسري الأمر على الجميع. ومعروف أن باسيل كان يقصد بالجميع “حركة أمل” أو الرئيس نبيه بري الذي يتمسّك بحقيبة المال للحفاظ على التوقيع الشيعي في السلطة التنفيذية إلى جانب توقيع رئيس الجمهورية الماروني ورئيس الحكومة السنّي. وهذا الأمر هو مبدئي في عين التينة، ولم يتنازل عنه بري مدعوماً من حزب الله في الحكومات الثلاث الأخيرة.
وعدا حقيبة المال، هناك حقيبتان أساسيتان تتجه إليهما الأنظار هما وزارتا الطاقة والاتصالات اللتان تُعتبران مورداً رئيسياً للدولة ومغارة رئيسية للهدر والانفاق المالي بلا ضوابط”.
وأضاف: “وفُهم أن هاتين الحقيبتين ستكونان نقطة تركيز في الإصلاحات المرتقبة، واللافت أن شركة “سيمنز” الألمانية التي لم يُقبَل عرضها قبل سنوات لإعادة تأهيل قطاع الكهرباء، تمّ استقبالها قبل أيام في القصر الجمهوري حيث عرضت مجدداً تأهيل معملي الإنتاج في الزهراني ودير عمار من ضمن مساعدتها للبنان بعد انفجار بيروت. وتردّد أن الرئيس المكلّف لديه أسماء ذات كفاءة واختصاص جاهزة لهاتين الوزارتين تعمل لادخال إصلاحات ضرورية وتمهّد لفك الحصار الدولي عن لبنان، وتسهّل الإفراج عن المساعدات والأموال المرصودة في مؤتمر “سيدر” من قبل الدول المانحة. ويقول بعضهم إنه إذا كانت حكومة حسان دياب ضمّت العديد من الوزراء الذين يحملون الجنسية الأمريكية، فإن العديد من الوزراء في حكومة أديب سيكونون حاملين الجنسية الفرنسية وهم رجال أعمال واقتصاد ناشطون في فرنسا. وبات معلوماً أن الوفد المرافق لماكرون إلى بيروت ضمّ المدير العام لمصرف الاستثمار التابع لمجموعة HSBCسمير عسّاف، ورئيس مجلس إدارة والمدير العام لمجموعة CMA  CGM رودولف سعادة اللذين حتماً سيقترحان للرئيس الفرنسي ومن خلاله للرئيس المكلّف أسماء وزارية للتشكيلة الموعودة. وهناك لائحة بأسماء من المجتمع المدني معدّة للاستعانة بها وتتمتّع بالاستقلالية والاختصاص مثل نجاة صليبا المرشّحة لتولي وزارة البيئة، أو رائد شرف الدين إبن شقيقة الإمام موسى الصدر رباب المرشّح لتولّي وزارة المال.
وبالنسبة إلى وزارة الخارجية، فهي لن تدور في فلك حزب الله ولا التيار بل سيختار لها الرئيس المكلّف من يلتزم سياسة النأي بالنفس والقدرة على التواصل شرقاً وغرباً، بحيث لا يبقى لبنان في عزلة عن الغرب ولا عن الدول العربية وتحديداً الخليجية. وقد برز لتولّي حقيبة الخارجية السفير اللبناني السابق في باريس ناجي ابي عاصي المشهود له بكفاءته واستقلاليته، لكنه ينفي أن يكون أي أحد فاتحه بموضوع التوزير.
ويبدو واضحاً أن الرئيس المكلّف يعتمد على رافعة فرنسية للحصول على تنازلات من الأفرقاء الذين دأبوا على مدى سنوات على فرض شروط. وإذا كان ماكرون غادر واعداً بالعودة في كانون الأول إلا أنه سيبقى يتواصل هاتفياً مع القيادات اللبنانية عند الضرورة كما فعل قبل التكليف، ويتولّى مدير المخابرات الفرنسية السفير السابق في لبنان برنار إيمييه التواصل مع بعض القوى السياسية، ولاسيما أنه يعرف لبنان جيداً الذي شغل فيه مسؤوليات دبلوماسية لمدة 3 سنوات مفصلية بين عامي 2004 و2007 وشهد على طرق الوصاية السورية على لبنان وكيفية فرض القرارات ومن بينها التمديد للرئيس اميل لحود ثم اغتيال الرئيس رفيق الحريري وصولاً إلى انسحاب القوات السورية من لبنان.
غير أن الامتحان الأبرز لهذه الحكومة غير شكلها وحجمها ووزرائها والتي يُفترض ألا تشبه بوزرائها الاختصاصيين وغير الاستفزازيين وفعاليتهم وإنتاجيتهم أياً من الحكومات السابقة، هو قدرتها على مواجهة الأزمة المالية ورسم خريطة طريق منبثقة من ورقة العمل الفرنسية، والذي سيكون امتحاناً أيضاً للمبادرة الفرنسية التي ستبقى في الصدارة في الوقت الضائع حتى الانتخابات الرئاسية الأمريكية. وإذا تعاون حزب الله ومن ورائه إيران مع فرنسا لتسهيل التشكيلة الحكومية كسباً للوقت حتى تنجلي نتائج الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، فإن محللين سياسيين في لبنان يعتقدون أن حزب الله ومن خلفه إيران إذا رغبا في تقديم أي تنازل، فلن يقدّموه للفرنسيين بل للإدارة الأميركية الجديدة سواء عاد دونالد ترامب أو انتخب سواه على رأس البيت الأبيض. ومن المعروف أن حزب الله هو الأقدر على التعطيل في لبنان ووضع الفيتو على هذا أو ذاك، من دون إغفال الدور السعودي الذي لم يمنح الغطاء السنّي لحكومة حسان دياب وأغلق أبواب الخليج في وجهه ووجه حكومته، فخسر الميثاقية وبقي ضعيفاً في الشارع. واليوم وفي وقت لم يصدر تعليق من الرياض حول تكليف مصطفى أديب، فالمملكة التي لا تحبّذ مشاركة حزب الله في أي حكومة تراقب مجريات التأليف في لبنان وسلوك الأطراف السياسيين ومدى نجاح المبادرة الفرنسية لتبني على الشيء مقتضاه.
يبقى أن لبنان بلد المفاجآت والتسويات، فهل تتغلّب التسويات هذه المرات أم تعود المفاجآت من باب ما، فتبرز العراقيل تحت عنوان رفض مداورة من هنا وتمسّك بوزارة من هناك وتطعيم الحكومة بسياسيين الأمر الذي يفرمل مبادرة ماكرون ويبطئ سرعة ولادة الحكومة”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى