لعل أنقرة تفهم وتستوعب
سليمان جودة

الأجواء السياسية في العالم من حولنا، تنادينا كعرب إلى فعل شيء، في مواجهة الفعل التركي العبثي على الشواطئ الليبية!

فالمعركة التي يريد الرئيس التركي إدارتها من فوق شواطئ ليبيا وأرضها، هي في حقيقتها معركة تركية – عربية، وليست شأناً تركياً ليبياً، كما قد تبدو لأول وهلة، كما أنها ليست شأناً يتصل بمصر دون بقية بلاد العرب، بحكم الجوار المصري المباشر مع ليبيا بامتداد ١٢٠٠ كيلو متر!

ليس هذا ولا ذاك لمن يتأمل ملامح المشروع الأردوغاني في المنطقة، فأطماعه هي في الأرض العربية في عمومها، وليست في الأراضي الليبية وحدها، وأحلامه ذات الرداء العثماني هي في الأفق العربي الممتد، وليست في سماء ليبيا في حدودها، ولا في فضاء طرابلس الغرب في حدوده!

وربما يكون المشير خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي، هو المسؤول العربي الذي سبق فأشار إلى هذا المعنى صراحةً، في مستهل جولة خارجية زار خلالها ثلاث دول قبل أيام!

وما أقصده بالأجواء السياسية في العالم من حولنا، أن علاقة الحكومة التركية مع الولايات المتحدة في هذه اللحظة، هي الأسوأ تقريباً في تاريخ البلدين، فالكونجرس الأمريكي صوّت بمجلسيه على مشروع قرار يعتبر ما فعلته تركيا في حق الأرمن عام ١٩١٥ «إبادة جماعية»، وقد كان الكونجرس نفسه في السابق كلما قطع خطوة في هذا الاتجاه تأخر خطوتين.. والرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقّع هو الآخر مشروع قرار يوقف بيع طائرات «إف ٣٥» إلى أنقرة، بعد أن ظل يهدد بذلك شهوراً طويلة!

والحديث عن فرض عقوبات أمريكية على تركيا لا يتوقف، سواء على مستوى الإعلام الأمريكي، أو الكونجرس، أو البيت الأبيض!

وعندما تحدثت الخارجية الأمريكية عن الاتفاق الذي جرى توقيعه بين أردوغان، وبين حكومة فايز السراج في طرابلس، قالت: إنها خطوة مستفزة ومقلقة، وهذا يعني أن الاتفاق الذي يتخذه الرئيس التركي ذريعة للتدخل في ليبيا، محل رفض أمريكي واضح! ولا يختلف الحال أوروبياً مع العاصمة التركية عنه أمريكياً، فاليونان رأت في الاتفاق ضرراً يضرب مصالحها، وعبرت عن ذلك عملياً باستدعاء السفير الليبي لديها، وإمهاله ٧٢ ساعة لمغادرة البلاد! وكذلك ترى قبرص بالضبط في الاتفاق ذاته!

ولأن الدولتين تتمتعان بعضوية الاتحاد الأوربي، فإنه سارع إلى عقد اجتماع في بروكسل، رفض فيه إلحاق أي ضرر بهما، وقال: إنه لن يسمح بأن تصاب المصالح اليونانية أو القبرصية، بأي أذى من وراء الاتفاق! وعندما يقول الاتحاد شيئاً كهذا فهو يعنيه تماماً.. وربما لا نزال نذكر ماذا فعل من أجل اليونان عندما كانت على حافة الإفلاس قبل سنوات!

وبصرف النظر عن الانتصار لليونان وقبرص من جانب الاتحاد الأوروبي، فعلاقته في الأصل بأردوغان تسوء يوماً بعد يوم. أما السبب، فهو ملف اللاجئين الذين يتخذهم وسيلة لابتزاز دول الاتحاد طول الوقت دون حياء!

هذه كلها أجواء مسعفة لنا، وهذه كلها أجواء تيسر على العرب اتخاذ ما يجب إزاء أحلام عثمانية تراود أردوغان، وتصل به إلى حد الحديث عن أن في ليبيا مليون مواطن من أصل تركي، وأنهم ينادونه للوقوف إلى جوارهم، وأن واجبه أن يستجيب للنداء!

هذا رجل أصابه جنون يوم سقوط مشروع الإخوان في القاهرة قبل نحو سبع سنوات، ولأن مشروعه السياسي في منطقتنا كان محمولاً على كتف الإخوان، فإن سقوطهم كان سقوطاً له بالتوازي، وما يمارسه عربياً في ليبيا وغيرها يظل من أعراض المرض الذي أصابه، والأجواء التي أشرت إليها تدعونا كعرب إلى توظيف ما في أيدينا من أوراق في مواجهته، تدعونا وتغرينا، لعله يفهم أن ما كان في القرن السادس عشر قد مضى وانقضى!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى