للقصة بقية حتى ولو بعد حين
وداد حشيشو - الدوحة - قطر

عدت الى بلادنا ولكن هذه الاربعة وستون يوماً لن تنسى في طوكيو ، ربما حاولت ان اتغاضى عن الكثير من المنغصات التي رافقتني في رحلتي ولكن هناك العديد مما كنت اظن قد سقط امام الواقع .

لم استطع ملاحظة اي من التكنولوجيا التي تصدّر الينا كمعلومات عن اليابان ، نعم منظومة المواصلات كبيرة ومتشابكة ودقيقة ولكن كما في العديد من عواصم العالم لم اجد اي اختلاف حتى في تخصيصهم مقطورات للسيدات فقط . شاشات الانتظار في محطات الباص او في المترو او القطار هي ذاتها ومرتبطة فعلياً ببعضها البعض ومع تطور الانترنت وهو موجود في كل مكان ومجاناً ( بعد ان تسجل من خلال الفيسبووك او الانستغرام او الايميل ، يعني انت مراقب تماماً) لم اجد في الميادين الكبرى سوى هذه اليافطات الاعلانية الكبيرة الموجودة في نيوريوك وباريس ولندن ، فلماذا هذا التأنق بان اليابان كوكب آخر ، في روسيا تجد الروبوت يخدمك لتقديم القهوة ، في طوكيو ما زلنا نقوم بتعبئة بيانات تسجيل حصولنا على خزانة في المركز الاعلامي يدويا ويتم تصوير الورقة لتحتفظ بنسخة منها حتى وان ذهبت الى مركز آخر عليك ان تعبئ هذه الفورمة من جديد .

اين التطور والتقنية والتقدم ؟ لم اجد اي من هذا في كل الاماكن التي زرتها والتي صادف تواجدي بها ، طوكيو هي مدينة كبيرة جدا بدون هوية مباني سكنية عديدة ومتعددة متراصة بجانب بعضها بدون تناسق حتى المنازل القديمة او العمارات ذات الثلاث طوابق تجدها غريبة في استغلال كل شبر او زاوية كثيرة الجسور والجزر التي تصنف ساكنيها حسب مكانتهم ، شعب يعشق البراند وتجده يتباهى بحمل كيس ورقي من ماركة معينة ، ملابسهم بسيطة تجد العديد منها ذات اللون الواحد وغير زاهية وأسعارها مبالغة دائما الضرائب على بطاقة السعر حتى في الخضار والفواكه تجد سعرين مع و بدون واتعجب لماذا منتجات الارض اليابانية عليها ضريبة مدينة تصنف من الاغلى عالمياً اجل هي كذلك وأكثر ، ولكن حينما زرت الميادين المتخصصة مثل أكيهابارا للالكترونيات هي مثل مايوجد في جوانزو في الصين كل مجمع متخصص بشيء معين ، ولكن ما فاجأني حقاً ان اغلب المنتجات هي صنع في الصين … اجل الصين المارد المنتشر في كل بلاد العالم واكثر البلاد تقدماً وتحضراً . لفتني ان المطاعم في كل زاوية وشارع بين كل مطعم ومطعم هناك مطعم وليس يعني هذا الكثير من الطاولات لا ابداً ، هناك مطاعم تجدها تخدم اقل من عشرة مقاعد ، وهناك مطاعم الاتراك ٤ طاولات داخلية وبعض الكراسي خارجا ، لم اجد ما يزيد عن اصابع اليدين مطاعم حلال ، هندي او تركي . واكثر ما تجد هذه الماكينات التي يقف الجميع امامها كباراً وصغاراً يدفعون وينتظرون ان تخرج لهم علبة دائرية تحمل معها لعبة صغيرة ، اجل هكذا يكون التسويق فلا تقف في محطة مترو او سوبر ماركت او شارع كبير او صغير الا وتجد هذه الماكينات التي تحتوي على مجرد العاب صغيرة مثل ما كانت ماكدونالدز تعطيه مع وجبة الاطفال هدية ، صدقاً كنت اقف اتفرج عليهم واتعجب من ذلك ايضا هناك العديد والعديد من اماكن اللعب تجد الموظف بعد انتهاء دوامه وهو مازال يحمل حقيبته يدخل الى هذا المكان ويجلس على كرسي ليمارس هذه الالعاب الانيميشن هي مثل البلايستيشن ولكن باختلاف اللعبة هناك ابطال وأغاني ومجسمات تباع لهم وطباعة منتشرة على الملابس وشنط المدارس كما كانت بلادنا في زمن غريندايزر والعجيب انهم مدمنون على هذه الالعاب بشكل جنوني تجد هذه الاغاني تصدح في الشوارع بشكل مزعج . شعب طوكيو لم اجد بينهم المثقف الا القليل والقليل جدا والأغلبية تعتمد على الانترنت في البحث حتى عن اقرب مركز صيانة سيارات . او افضل اماكن لزيارة طوكيو سياحيا حتى سائقي التاكسي لا يعرف اي معلومة بدون البحث عنها في الانترنت ولا يسير الا مع GPS ولكم ان تتخيلوا ماذا يحدث اذا توقف الانترنت حول العالم ولو لدقائق ، وتلاحظ بسرعة انهم يلتزمون بالمسار بشكل غير اعتيادي ،في احد الايام التاكسي الذي كنت استقله لتوصيلي الى المركز الاعلامي اخذ المنعطف اليساري وقف وراء السيارات معتقداً انه لفتح الاشارة وحاولت تنبيهه بانه يقف وراء صف لتعبئة الفيول للسيارة ولكنه لم يفهمني الى ان جاء احد الباصات وسار متقدماً عدة سيارات ووقف هناك ادرك سائقي انه وقف في المسار الغير صحيح بعد ان فتحت الاشارة مرتين واقفلت ولكنه قام فقط بالضحك وانحاز الى المسار الاخر ، تجدهم لا يستطيعون اخذ اي قرار بدون مراجعة من هم اعلى منهم درجة رغم ان الموضوع بسيط ولكنهم لا يملكون المرونة في حياتهم ولا في عملهم .

لقد استأجروا ٥٤٠٠ باص من كل مقاطعات اليابان للالعاب الاولمبية وبعد جائحة كوفيد تم تقليص العدد ل ٢٢٥٠ ، اغلب الباصات كانت تسير خالية واحيانا لايزيد عددنا عن الخمسة اعلاميين او اكثر قليلاً ، ورغم هذا لم يحاولوا تعديل خطة المسار رغم انها في بعض الخطوط كانت غير مجدية ولا تخدم الاعلاميين ابدا ، كان من الافضل لو تم الاستعانة بباصات ذات ٢٥ راكبا بدل ال ٥٠ راكباً الذي كان يعاني للدخول في بعض مواقع الفعاليات ، كان هناك بعض الالعاب التي تجد الاعلاميين متهافتين لنقل مجرياتها . ولكن البعض الاخر اقل اهتماما وحضوراً ورغم ذلك تجد نظام المواصلات لم يعتمد خطة بديلة ابدا خاصة في اماكن الالعاب خارج طوكيو . ويجب ان اذكر ان في احد الباصات التي كنت لوحدي بداخله كان هناك صرصاراً يتجول تحت المقاعد ولأن ممنوع التحدث مع السائق اثناء القيادة اخذت صورة له وحاولت ان لا يقترب مني وانتظرت حتى وقف عند الفندق وحينما حاولت اخباره ولم يفهم واخبار الموظف الذي ينتظرنا عند المدخل بعد استخدام ترجمة جوجل ، وجدت انهم قاموا بالضحك بشكل مستفز ولم افهم هل يعتبر هذا من العادي او لا ؟!؟!.

الكثير من التعقيد كان يطالنا في اجراءات دخول نظام حجز الفعالية او لمسار الباصات او حتى لرفع الحالة الصحية اليومية واجراء فحص الكوفيد كل اربعة ايام واذا كنت قد قررت النزول داخل الملعب فعليك اجراء الفحص يومياً . انا كاعلامية مستقلة كنت مسؤولة عن نفسي ورغم ذلك عندي حسابين واحد ك CLO وآخر كمستخدم .

فاجأني جدا ان العديد والعديد لا يتكلم الانكليزية حتى في الجيل الصاعد منغلقين جداً ولا يحبون الغريب قابلت في تنقلاتي العديد ممن كان يبتعد عني لمجرد ان احاول ان اسأله فيختفي بعد ان ينظر لي شزراً ذكرا او انثى وكأن لون بشرتي او حجاب رأسي هو عائقاً للتواصل . واكثر ما آلمني هو استخدام كبار السن كمتطوعين في الصفوف الاولى لاستقبال الاعلاميين وخدمتهم ، وكأن اليابانيين الشباب ليسوا ضمن هذه المسؤولية ، بينما من كان يخدمنا في قسم المواصلات كانوا طلاب الجامعات الاجانب كالصين وكوريا وماليزيا واندونيسا والجزائر اجل كان هناك اثنين يتكلمون العربية وكانوا من الجزائر وعرفت لاحقاً انهم طلبة جامعات، أليس من الاولى وجودهم في المركز الاعلامي الاساسي لخدمة وفودنا من ثلاث وعشرين دولة عربية ؟؟ ام ان لجاننا الاولمبية لا تكترث لجعل لغتنا معتمدة رسميا كما الكورية والالمانية في المؤتمرات الصحفية التي كان هناك ٧ لغات معتمدة للترجمة في برنامج خاص على الموبايل ويعتمد على سماعة الاذن الخاصة بك .

كنت اعتقد ان في اليابان لا يوجد مشردي ولكن فوجئت بالعديد منهم تحت الجسور يفترش الارض ينام ومنهم يضع طاولة يبيع عليها بعض زجاجات العصير ، ويكتفي بان يجمع اشياءه في علب كرتونية وينام على كرتون ليحميه من رطوبة الشارع ، ايضا في احدى الامسيات كانت هناك مظاهرة حاشدة ببعض اليافطات ولكنها باليابانية ولم استطع ان اعرف سبب تجمعهم بهذه الطريقة امام الاستاد الاولمبي ولان البوليس يحيط بهم ويمنع ان يقترب احدا منهم لقد قمنا بتصويرهم فقط . اصدقائي اليابانيين الذين قابلتهم مجددا في بلدهم احسست معهم بالبرود حتى في ايجاد وقت للقاء بيننا، بعضهم قابلني بعد شهر وبعضهم لم اشاهده الا مرتين ونحن في نفس المبنى يوميا تيقنت بعدها انهم لا يجيدوا معنى الضيافة ولا يحسنوها .

هناك فقط صديقة يابانية قامت بدعوتي على مطعم سوشي واخذتني في جولة في بعض الاماكن السياحية الشهيرة ، هي الوحيدة التي احسست انها منفتحة على الجانب الاخر من الشاطئ. العديد يخرجون الى الحدائق في ايام السبت والاحد ويمارسون الرياضة والمشي ، ولكن اغلب الشعب يعيش بإيقاع بطيئ لدرجة الملل . لربما يقول لي البعض نحن من ذوات الدم الحامي لذلك نجدهم مختلفين ، ربما ولكني لم استطع تقبل ذلك في وقت كانت السرعة وانجاز الاعمال هو المطلوب . رغم كل هذا لا يجب ان اغفل عن ذكر المرحاض في الحمام الذي كان حديث العديد من الاعلاميين ومصدر سخريتهم ولكني كمسلمة كنت جداً سعيدة به وللأمانة التي يجب ذكرها انا كنت على علم به قبل قدومي الى اليابان وكنت سمعت عنه من سنوات ويبدو انه نظام حديث لأن خارج طوكيو في الاماكن العادية لا تجده . هو عبارة عن نظام نظافة شخصية بالازرار ، منها للامام ومنها للوراء منها لإحداث اصوات كي لا يسمع اصواتك من يشغل الحمام الآخر ، منها ما يجفف ومنها ما يقوم بتنظيف الحمام تلقائيا بعدك . في المنزل كان مجرد فتح باب الحمام يُفتح لك غطاء مقعد التواليت والعكس صحيح ولكن ليس كل اليابانيين يستخدمونه ، ما يلفت للانتباه لا يوجد ابدا في الحمامات اي صندوق للمخلفات فالاوراق المستعملة ممنوع رميها خارج التواليت فهي معادة التدوير من الاساس والعديد من اللاصقات تخبرك انه عليك رمي المناديل داخل التواليت وليس خارجه .

بدلت في هذه الايام اكثر من خمس فنادق ومنزلاً لعائلة يابانية . ما يلفت الانتباه ان ٣ فنادق عمال نظافتها وترتيب الغرف من النيبال او الهند ( كما ان عمال حمل الحقائب في مطار ناريتا كانوا من هذه الجنسية ايضاً ) ، هل تعاني اليابان من نقص في شريحة محددة من العمر . في احد الفنادق التي بقيت فيها اسبوعين كان بها مطبخ ولاحظت انهم يفضلون المطاعم او الطعام الجاهز للتسخين او الذي يحتاج فقط اضافة الماء الساخن ، كمية الطعام المغلف على ارفف البقالات كثير ومنوع ورخيص ولكل الفئات ، كنت اقوم بالطبخ يوميا في المساء بعد عودتي من الالعاب اشتري من المتجر المفتوح ٢٤ ساعة سمك و بصل وبعض الخضار ، هناك البيع بالحبة او بكيس معد مسبقا ب عدد ثلاث من الخيار البصل او البطاطا ، ولكن الاسعار غير معقولة وغالية بشكل غير طبيعي حتى بدون الضرائب .

 

لا اريد ان تنتهي علاقتي باليابان هنا ، لقد كانت احد ثلاث دول في مراهقتي كنت اود زيارتها وكنت اترقب صدقاً وصولي هناك ولكن توقعاتي خالفت ما وجدت ١٨٠ درجة حتى اكثر ما كان يزعجني هو طريقة ضحكهم حينما اسألهم عن شيئ ولا يعرفوا الاجابة كانت طريقة نظرهم الى بعض وضحكهم تستفزني لدرجة انني اخبرت احد المتطوعات التي تتحدث الانكليزية بابلاغهم انها ليست من حسن الضيافة ان تضحك بوجهي بشكل ساخر .

ويبقى ان اقول هي تجربة لن تُنسى تعلمت منها عدة اشياء سآخذها بعين الاعتبار لاحقا في زياراتي لبلد جديد .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى