للكفاح ضد عنصرية “صفقة القرن”
محمود الريماوي

تدرك الإدارة الأميركية الحالية، برئاسة دونالد ترامب، أن خطتها لشرعنة الاحتلال الإسرائيلي وازدهاره، المسمّاة “صفقة القرن”، تتعارض مع السياسات الأميركية التي التزم بها الرؤساء السابقون من الحزبين، الجمهوري والديمقراطي، كما تعرف هذه الإدارة أن العالم يعرف أن هذه الخطة وضعت بالتفاهم والتنسيق مع حكومة بنيامين نتنياهو، وبمعزل عن الطرف المعني (الفلسطيني)، بغرض استهدافه وتصفية حقوقه التي أقرّتها الشرعية الدولية، على مدى عقود وعبر عشرات القرارات.
ولا يتعلق تمسّك هذه الإدارة بخطتها التي لم تلق قبولا من أحد بعناد يتشبث به أركان هذه الإدارة، بل يتصل الأمر برؤيةٍ تتعدّى الاعتبارات السياسية، وحتى الاستراتيجية منها، إذ تنطوي على نزعةٍ ذات محتوى عنصري، تجعل من إنكار الحقوق الفلسطينية نتيجة طبيعية ومحتمة لإنكار وجود شعب فلسطين ذاته. وليس نزع صفة الفلسطينيين عن أبناء القدس المحتلة، في تقرير أخير لوزارة الخارجية، سوى برهان إضافي على هذه النزعة تحت السياسية التي تتعامل مع قضايا سياسية بمنطق عنصري، يعيدنا على الأقل إلى قرنين، حين كان يتم إنكار وجود السود في الولايات المتحدة، واحتساب التمييز ضدهم عملا وطنيا وواجبا مشروعا.
ويتسابق هذه الأيام كل من مستشار الرئيس ترامب وصهره جاريد كوشنر وسفيره في دولة الاحتلال، ديفيد فريدمان، على “التبشير” بأن صفقة القرن سوف يجري تنفيذها وفق خرائط يتم رسمها بالتعاون بين السفارة الأميركية وإدارة الاحتلال. وإنه ليس مطلوبا موافقة الجانب  الفلسطيني عليها، إذ سيجري تطبيقها في جميع الأحوال. وعلى الرغم من ضآلة الأنباء، في الآونة الأخيرة، بشأن الخطوات التنفيذية المزمعة، إلا أن فريق الإدارة الأميركية يحتفظ بحماسةٍ تفوق حماسة نتنياهو في إدارة الظهر للعالم، والسعي إلى فرض الخطة على أرض الواقع. ويتعلق التكتم بترقب تشكيل حكومة جديدة في تل أبيب، تتولى ترجمة الهدايا الأميركية على الأرض، بضم المستوطنات إلى دولة الاحتلال، والإعلان كذلك عن ضم غور الأردن.
وبما أنه لم يحدث من قبل أن أبدى طرف عنصري استعداده للاعتراف بالنواميس المشتركة بين البشر، أو الاعتراف بأي مرجعيةٍ عامة تجمع البشر، فإنه يتعذّر مناقشة الجانب الأميركي بأن خطته قد رفضتها دول العالم والجمعية العامة للأمم المتحدة، وإنها لن تؤدي سوى إلى إدامة الصراع عقودا مديدة إضافية. علماً أن هذه الإدارة سبق أن رفضت مشاركة أي طرف دولي في وضع هذه الخطة، ما يجعل أي جهد سياسي أو دبلوماسي تجاه البيت الأبيض محكوما بالفشل المسبق، فخلافا لمنطق براغماتي يحكم مواقف هذه الإدارة تجاه قضايا عديدة في عالمنا، ومنها العلاقات مع الشركاء الأطلسيين والعلاقات مع روسيا والصين، وحتى كوريا الشمالية، إلا أن هذا المنطق لا يعمل دائما في وعي هذه الإدارة، وذلك حين لا يتردّد الرئيس ترامب في وصف دول أفريقية بأنها “دول قذرة”، كما فعل في العام 2018 في مناقشاتٍ جرت في البيت الأبيض تتعلق بالهجرة، وهو ما حمل الأمم المتحدة حينها على وصف التصريحات بأنها “معيبة وعنصرية”، وذلك من غير أن ينفي البيت الأبيض هذه التصريحات. وحين يستذكر المرء ممالأة الرئيس الأميركي الأسبق، رونالد ريغان، النظام العنصري في جنوب أفريقيا في ثمانينات القرن الماضي، وإقامة علاقات سرية معه، فإنه لا يعود مستغربا أن تنسحب الرؤية العنصرية لبعض أركان الإدارة على مقاربتهم الهوجاء لمعضلة الشرق الأوسط، والتي تقوم، في جوهرها، على إنكار حق الفلسطينيين في الحرية والاستقلال على أرضهم، والتي تتأسس على إنكار وجودهم، والسعي إلى طمس هويتهم، كما فعل أخيرا تقرير لوزارة الخارجية التي يتولاها مايك بومبيو الذي يبشر “بالخير والسلام”، متلفعا برؤى دينية تسوغ استثناء شعبٍ بأسره من أمنياته.
يرمي التأشير هنا إلى الرؤية دون السياسية التي تحكم بعض أركان الإدارة الأميركية إلى محاولة  فهم التماهي غير المسبوق أميركياً مع الاحتلال الاسرائيلي، والتنافس القائم بين واشنطن وقوى اليمين المتطرّف في الدولة العبرية على من ينال قصب السبق في اتخاذ المواقف الأشد عنصرية،.. إلى إظهار أن الجدل مع هذه الإدارة لن يؤدي غرضه بغير الإدراك المسبق أن الطرف الأميركي يرفض التسليم بأية معايير سياسية أو قانونية أو أخلاقية، في مقاربته لقضية الشرق الأوسط، وأن السجال معه، كي يكون ذا فائدة وذا معنى، لا بد أن يقوم على التذكير بمساوئ المفاهيم العنصرية، وخطرها الوبيل على أمن عالمنا وسلامه، وعلى العلاقات التي تحكم البشر الذين تتوزعهم العقائد والأديان، لكنهم يحتكمون إلى مواثيق دولية وأحكام قانونية قارّة، وإنْ تجاوز هذه وتلك يعزّز العنصرية والتطرّف في كل مكان.
وفي القناعة أن كشف المضمون العنصري لرؤى الإدارة الحالية إزاء قضية الشرق الأوسط يعيد أي سجال إلى مساره الأصلي وسكته الصحيحة، فالمطلوب ابتداءً أن تقوم هذه الإدارة بتصحيح أخلاقي فحواه الاعتراف، بغير لجلجة، بحق شعب فلسطين في الحرية والاستقلال والكرامة، أسوة بسائر شعوب الأرض، والتوقف عن النظر إلى الفلسطينيين بوصفهم مجموعات بشرية أو سكانا، وهو ما تسعى هذه الإدارة إلى تمريره وتكريسه، من دون خجل أو وجل، بحق شعبٍ تنتمي دولته إلى الأمم المتحدة، وهو ما لم تنزلق إليه أية إدارة سابقة، مهما كانت درجة انحيازها لدولة الاحتلال. على أن أشخاصا، مثل نائب الرئيس، مايك بنس، أو وزير الخارجية، مايك بومبيو، لن يقدموا على ذلك من تلقائهم أو استجابة لمناشدات أو اتصالات دبلوماسية، من غير أن تتم تعرية المنحى العنصري الذي تورّطت به هذه الإدارة، في مقاربتها الخرقاء لمسألة السلام في الشرق الأوسط، وفي جملة السياسات التي اتخذتها، والتي جاءت متطابقة مع رؤى التيارات الدينية الأشد تطرّفا في المجتمع الإسرائيلي، والتي تنكر على غير اليهود كل حقوق لهم في الأرض المقدّسة.
قبل أن يسقط نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا تعرّض لحملةٍ واسعة، لم تقتصر على الإدانة السياسية، من الدول والفاعلين السياسيين، ولكنها شملت صانعي الرأي وأنصار العدل والحرية في سائر المواقع والمناشط. والأمر ذاته لا بد أن ينسحب على السياسة العنصرية التي تنتهجها إدارة ترامب في مسعاها المسموم والمحموم إلى تصفية الحقوق الفلسطينية، وتسييد الاحتلال الإسرائيلي الغاشم، فهذه السياسة تستحق، ابتداءً، تعريتها وكشفها، وإدانة أصحابها من منطلقات أخلاقية وقانونية صريحة، وذلك كشرط شارط للصراع السياسي مع صفقة القرن المشينة وإسقاطها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق