لماذا أصدرت بكين الورقة البيضاء بشأن تايوان؟
أسماء الصفتي

أصدرت الصين، في يوم 10 أغسطس الجاري، بالاشتراك بين مكتب شؤون تايوان والمكتب الإعلامي – وكلاهما يقع تحت إشراف مجلس الدولة الصيني – ورقة بيضاء تتناول الوضع في تايوان. وقد جاءت الورقة المعنونة بـ”مسألة تايوان وإعادة توحيد الصين في العصر الجديد”، عقب زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكية المثيرة للجدل إلى الجزيرة، وبعد نهاية أسبوع كامل من التدريبات العسكرية الصينية البحرية والجوية التي أُجرِيت على مقربة من العمق الاستراتيجي التايواني. وعلى الرغم من عدم تقديم الورقة أي جديد فيما يتعلق بالموقف الصيني تجاه جزيرة تايوان، فإنها حملت العديد من الرسائل الداخلية، وهو المنطلق لجميع تحركات صانع القرار الصيني داخلياً وخارجياً على مدار سنوات الحكم الطويلة للحزب الشيوعي الصيني.

ملامح الورقة

أكدت الورقة البيضاء الصينية عدداً من النقاط سبق طرحها في ورقتين سابقتين خُصِّصتا لتايوان، إلا أنها في الوقت ذاته أزالت التزام الحكومة في بكين ببعض الالتزامات والتعهدات السابقة، وتركت البعض الآخر محلاً للنقاش والتخمين، وهو ما يمكن تناوله على النحو الآتي:

1– تأكيد أن تايوان جزء من الوجدان الصيني: استخدمت الورقة البيضاء العبارات الرنانة والمثيرة للمشاعر الوطنية الجياشة؛ فقد أكدت في أكثر من نقطة أن الصين وتايوان شعب واحد، وأن التاريخ والقانون الدولي يؤكدان هذه الحقيقة، في تجاهل كبير لاستطلاعات الرأي التايوانية الأخيرة، التي تؤكد أن ما لا يزيد عن 10% من التايوانيين يُعرِّفون أنفسهم بأنهم صينيون ويرغبون في أن تُضَم بلدهم إلى حكم التنين الأحمر، كما وعدت بكين تايبيه بالحصول على الكثير من المكاسب والمنافع الاقتصادية في حالة قبولها العودة إلى الصين.

2– أهمية الحوار عبر المنصات الصينية الخالصة: أشارت الوثيقة إلى أهمية الحوار للوصول إلى تسوية سلمية بين تايبيه وبكين؛ وذلك عبر المنصات الدولية التي خلقتها الصين، لتكون بديلة للمؤسسات والمنصات الدولية التي تقودها بكين؛ وذلك على غرار منتدى المضائق السنوي. ومن المتوقع أن يجتمع خلال هذا المنتدى ممثلون من الجانبين لمناقشة التكامل الثقافي والاقتصادي.

3– الإبقاء على خيار القوة العسكرية: حددت الورقة بوضوح موقف الصين من أي محاولات لفصل الجزيرة عن الصين، قائلةً بأنها لن تسمح أبداً بأي محاولة لفصل تايوان، لكنها ستبذل قصارى جهدها لتحقيق التوحيد بالوسائل السلمية. وعلى الرغم من ذلك، فإنها لم تَنْفِ إمكانية اللجوء إلى القوة العسكرية، في حالة استمرار محاولة الانفصالين – في إشارةٍ إلى الحزب التقدمي الديمقراطي الحاكم في تايوان – في سياستهم الرامية إلى عزل الجزيرة عن وطنها الأم. وقد قالت الورقة صراحةً: “سنُضطر إلى اتخاذ إجراءات صارمة للرد على استفزاز العناصر الانفصالية أو القوى الخارجية إذا تجاوزت خطوطنا الحمراء”.

4– طرح فكرة “دولة واحدة ونظامان” في حالة الضم: أكدت الصين من جديد أن جزيرة تايوان ستصبح منطقة إدارية خاصة في الصين، وهو ما ورد ذكره في الورقة البيضاء الصادرة في عام ١٩٩٣. وأشارت الورقة – التي وضعت خططًا لنموذج الحكم المقترح من بكين للجزيرة – إلى أنه سيُسمح للدول الأخرى بمواصلة تطوير العلاقات الثقافية والاقتصادية مع الجزيرة. بموافقة الحكومة المركزية؛ أي أنه يجوز لتلك الدول إنشاء قنصليات أو وكالات رسمية وشبه رسمية أخرى في تايوان؛ هذا بجانب السماح للمنظمات الدولية بإنشاء مكاتب ممثلة لها في الجزيرة. وهذه هي المرة الأولى التي يتم فيها الالتزام بمنح الجزيرة الحق في الإبقاء على تمثيل دبلوماسي وقنصلي شبه منفصل عن الصين في حالة الضم. وقالت الورقة إن تطبيق “دولة واحدة ونظامان” في هونج كونج وماكاو كان له “تأثير بنَّاء” على المنطقتَين، وإن النظام ذاته بجوانبه الإيجابية سيُطبَّق في تايوان.

5– عدم حسم طبيعة التمثيل الصيني الدفاعي والإداري في الجزيرة: على الرغم من إقرار الورقة بتمتُّع تايوان بنظام حكم منفصل عن الحكومة الشيوعية الصينية المركزية في الصين، فإنها لم تحسم حجم وطبيعة التمثيل الذي سيُبقيه الحزب الشيوعي الصيني في الجزيرة، في تغافل واضح لالتزام سابق قدمته الصين أكدت فيه أن الحزب وقواعده لن يكون ممثلاً في تايوان في حالة الضم، كما أن الورقة قد تركت الترتيبات الدفاعية مفتوحة؛ ما يعني أنه من غير المعروف إذا ما كانت الصين (البر الرئيسي) ستنشر قوات في تايوان، أو سترسل مسؤولين للقيام على مختلف جوانب الحياة في البلاد بعد التوحيد أم لا.

رسائل خفية

أكد المحللون والمتابعون للشأن الصيني–التايواني، أن الورقة البيضاء الصينية تحمل العديد من الرسائل غير المُباشِرة، التي تشير إلى طبيعة التحديات الداخلية التي تواجهها الأجندة السياسية للحزب الشيوعي الصيني خلال المرحلة القادمة، والتي يتمثل أبرزها في الآتي:

1– التغلب على آخر آثار الاحتلال الياباني: في يوليو 1894، شنت اليابان حرباً عدوانية شاملة ضد الصين، ومع تحقيق طوكيو العديد من الانتصارات في هذه الحرب، اضطرت حكومة “تشينج” المهزومة في أبريل من عام 1895، إلى التنازل عن تايوان وجزر بينجو لليابان. وعلى الرغم من انتهاء الاحتلال الياباني للصين، ودخول بكين مرحلة سياسية جديدة يسيطر فيها الحزب الشيوعي الصيني على الحكم، فإن الصين لا تزال تنظر إلى تايوان باعتبارها جزءاً من تركة الاحتلال الياباني والهزيمة المخزية التي تعرضت لها الصين على يد طوكيو؛ ولذا فإن الرئيس الصيني “شي جين بينج” – الذي لا يزال يلتزم بقدر كبير من مبادئ الأيديولوجية اللنينية، ومساهمات ” ماو تسي تونج” في هذا السياق – يؤمن بأن الثورة والصراع ضد الإمبريالية العالمية، سيظل قائماً ومستمراً، في ظل استمرار الوضع الحالي لتايوان، وعدم خضوعها للصين.

2– تكثيف الحملات الدعائية المؤيدة للحزب الحاكم: نشرت الحكومة الصينية ورقتَيْن بيضاوَيْن سابقتَيْن عن تايوان، وقد جاءت الورقة الأولى تحت عنوان “مسألة تايوان وإعادة توحيد الصين” في أغسطس 1993، ثم تناولت الأخرى “مبدأ الصين الواحدة وقضية تايوان” في فبراير 2000. وقدمت هاتان الورقتان تفصيلاً شاملاً ومنهجياً للمبادئ والسياسات الأساسية المتعلقة بحل مسألة تايوان. وعلى الرغم من أن الورقة الجديدة لم تُقدِّم جديداً، فيما يتعلق بتأكيد التبعية التاريخية للجزيرة للصين، وتأكيد جميع المعاهدات الدولية – والقانون الدولي بالتعبية – لهذه الحقيقة، فإن الورقة تعد بمنزلة إعلان ودعاية داخلية بصورة أساسية لإظهار تصميم الحزب الشيوعي الصيني على إعادة توحيد البلاد، وتأكيد أن موقف وسياسات الحزب الشيوعي الصيني والحكومة الصينية لن تتغير تجاه تايوان، مهما كانت التحديات والأزمات التي تواجه بكين في نظام دولي يعجُّ بالأزمات.

3– تعزيز شرعية “شي” تمهيداً لمؤتمر الحزب الشيوعي القادم: يَعقِد الحزب الشيوعي الصيني مؤتمراً وطنياً كل خمس سنوات، يجري خلاله الإعلان عن تغييرات رئيسية على مستوى قيادات الحزب والحكومة الصينية. ومن المُتوقَّع أن يشهد مؤتمر الحزب العشرين – الذي سيعقد في بكين في النصف الثاني من عام 2022، بالتحديد خلال شهر نوفمبر القادم – ترقية وجوه جديدة إلى مناصب عليا في الحكومة وقيادة الحزب. إلا أن التحول الأبرز في تاريخ الصين، الذي يُتوقَّع أن يَنتُج عن هذا المؤتمر، هو الإعلان عن استمرار الرئيس “شي” في قيادة البلاد للدورة الثالثة على التوالي، في خطوةٍ غير معتادة. ويُتوقَّع أن تكون هذه الدورة الأخيرة التي يقود فيها “شي” البلاد، وهو ما يعني أن حقبة الرئيس الصيني الأبرز في تاريخها المعاصر، على وشك الوصول إلى قمتها ونهايتها في الوقت ذاته. ومن المُتوقَّع أن يتبع الرئيس الصيني – الذي تخلَّى عن نهج الصعود السري للقوة الصينية الذي تبنَّاه سابقوه – سياسات أكثر حسماً وجرأةً لتنفيذ العديد من أهدافه الاستراتيجية ورؤيته الخاصة للصين داخلياً وخارجياً، وبالطبع تتمثل أبرز وأهم نقاط هذه الاستراتيجية في تحقيق الوحدة الكاملة للصين.

4– الرد على السياسات الأمريكية تجاه تايوان: لا يمكن إغفال أن توقيت إصدار الورقة البيضاء الصينية عن تايوان – وخاصةً بعد الزيارة الاستفزازية التي أجرتها رئيسة مجلس النواب الأمريكي “نانسي بيلوسي” إلى تايوان – يشير إلى محاولة بكين إرسال رسالة إلى الولايات المتحدة والدول الغربية مفادها أن الصين لن تسمح بانفصال تايوان عنها، وتأكيد استمرارية الرؤية الصينية لتايوان بأنها جزء من الأراضي الصينية. وهذه الرؤية تتضمن استخدام كافة الأدوات الممكنة، بما فيها الأداة العسكرية، لمنع انفصال تايوان.

خطورة الضم العسكري

على الرغم من وجود الكثير من الدوافع والمحفزات التي لا تَدَع مجالاً للشك بأن بكين لن تتنازل عن حلمها الكبير باستعادة جزيرة تايوان وجعلها جزءاً من أراضيها، فإن اللجوء إلى الخيار العسكري لا يزال أمراً مُستبعَداً، وقد يهدد استقرار النظام القائم وبقاءه على رأس السلطة؛ فمن ناحية، يمكن أن يتبع الغزوَ العسكري للجزيرة، معاناةُ الداخل الصيني من حالة من الركود الاقتصادي غير المسبوق، ناهيك عن تشابك اقتصاد جنوب الصين مع المُورِّدين ورؤوس الأموال التايوانية.

كما أن التعداد السكاني والتاريخ الصيني – الذي يتضمَّن العديد من التحوُّلات السياسية بانتهاء عصر أسر حاكمة، ووصول أسر أخرى إلى سُدَّة الحكم بفعل المجاعات، وعدم قيام الحكام والملوك على تلبية الاحتياجات الأساسية للمحكومين – يُعَدُّ هاجساً آخَر، وتخوُّفاً مُؤكَّداً لدى صانعي القرار في الصين. وأخيراً، يمكن للاحتجاجات الجماهيرية والغضب العام أن يطغى على قدرة الحكومة على السيطرة، كما أن الإذلال الذي قد يأتي مع غزو فاشل لتايوان، قد لا تُحمَد عواقبه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى