لماذا تتربع السويد على عرش مواجهة كورونا؟
د. توفيق حميد

حينما بدأت جائحة كورونا في الانتشار تعددت التوقعات حول معدلات الوفيات التي ستحدث بسبب هذه الجائحة، وسارعت العديد من الدول إلى  اتخاذ اجراءات حظر شاملة بهدف إغلاق معظم أو جميع أوجه النشاط الإقتصادي والاجتماعي في الدول، مما تسبب في انهياراقتصاديات عديدة.

وكنتيجة لذلك فقدت الكثير من الدول معدلات نمو اقتصادية عالية، وزاد عدد العاطلين، وأغلقت المطاعم والمحلات وشركات السفر مما تسبب في كساد اقتصادي عميق أدى في النهاية إلى انهيار في أسواق الأسهم العالمية وفي اسعار البترول.

وكان هذا الدمار الاقتصادي أحد تداعيات الفيروس الإقتصادية والتي تضاف إلى أعبائه الصحية على كاهل الدول.

ووقفت السويد والتي عرف عنها انها لم تغلق أنشطة الدولة، لتعلن عن نمو إيجابي جيد في الربع الأول من العام الحالي، وذلك على العكس تماماً من الدول التي أغلقت جميع الأنشطة وأجبرت الأصحاء على المكوث في منازلهم.

هذا على الجانب الاقتصادي، أما عن الجانب الصحي فإن السويد تحظي اليوم بدرجة عالية جداً من “المناعة الطبيعية” كنتيجة  لتعرض المجتمع بشكل تدريجي للفيروس بسبب عدم إغلاق الدولة وعدم إغلاق المدارس، والذي يدلل على وجود درجة عالية من المناعة في السويد هو أن نسبة الحالات الحرجة إلى الحالات النشطة للمرض يقترب من الصفر كما تدلل إحصائيات المرض، وهذه النسبة هي أقل بمراحل من  المعدل العالمي (1%) ولدول الأخرى مثل ألمانيا (4%)، وأسبانيا (1%)، وأمريكا (0.8%).

وحتى الدول الإسكندافية التي قد يكون لديها معدلات وفاة أقل من السويد فإنها ليس لدى شعوبها مناعة كافية ضد المرض، فمعدلات الحالات الحرجة فيها بالنسبة للحالات النشطة هي فنلندا (0.8%)، الدانمارك (1.4%)، النرويج (0.1%).

وهذه الاحصائيات تدلل أن احتمال أن تتحول حالة المريض بالكورونا في السويد إلى حالة حرجة تتطلب دخول مستشفى هو احتمال أقل بمراحل من الشعوب الغربية الأخري وحتى الإسكندنافية منها.

وقد يتساءل البعض كيف أن مناعة المجتمع في السويد عالية بالرغم من أن بعض الإحصائيات ذكرت أن معدلات تواجد الأجسام المضادة للفيروس (نوع جي) والتي تدلل على وجود مناعة عندهم هي فقط حوالي 7%؟

والرد الأول ببساطة هنا أن هذا الرقم كان في بداية إبريل وقد يكون الوضع مختلفاً تماماً الآن.

والرد الثاني هو أن قياس الأجسام المضادة نوع (جي) لا يكفي لتحديد المناعة ضد فيروس كورونا، فهو مثل العديد من الأمراض الفيروسية للجهاز التنفسي والرئتين يعتمد على وجود أجسام مضادة من نوع (إيه) في جدار الجهاز التنفسي العلوي والشعب الهوائية، وهو ما لم يقس في هذه التجربة ولا يقاس بصورة روتينية على وجه العموم.

أما الرد الثالث ببساطة فهو أن هناك نوع من المناعة يعتمد على الخلايا التائية – وليس على الأجسام المضادة، وتسمى هذه الخلايا (ليمفوسيتس نوع تي) وهي خلايا سامة وقاتلة للفيروس تقبع في أنسجة الجهاز التنفسي ولا يتم قياسها بصورة روتينية لأنها صعبة القياس جدا، وهذا النوع من المناعة هو من أهم -إن لم يكن أهم- نوع للمناعة الطبيعية التي تقاوم الفيروسات الرئوية مثل فيروس كورونا.

وأحياناً يقضي هذا النوع من المناعة المعتمدة على الخلايا على الفيروس دون الحاجة إلى إنتاج أجسام مضادة فتكون نسبة هذه الأجسام المضادة تقارب الصفر في الدم، وفي هذه الحالة يكون الشخص لديه ما يكفي من المناعة الأساسية للمرض بدون وجود أجسام مضادة بنسبة عالية في الدم.

وباختصار فإن عدم وجود نسبة عالية من الأجسام المضادة ضد الفيروس في إبريل الماضي عند الشعب السويدي لا يدلل على الإطلاق على عدم وجود مناعة لديهم والتي ثبت إكلينيكياً وجودها وبقوة واضحة تتجلى في نسبة معدلات قليلة للغاية من الحالات النشطة التي تتحول إلى حالات حرجة عندهم، وهي نسبة تقارب الصفر كما ذكرت الإحصائيات العالمية في “وورلد ميتر”.

وخلاصة القول هو أن السويد والتي قررت تبني المناعة المجتمعية أو “مناعة القطيع” كوسيلة لمواجهة كورونا فلم تفرض إغلاقاً على الناس لمواجهة الفيروس، وظلت مدارسهم وانشطتهم الإقتصادية مفتوحة لم ينهر إقتصادهم، وحظي شعبها بنسبة مناعة عالية للغاية تقلل من مضاعفات وتداعيات المرض لمن يصابون به من شعبها، ولذلك -فهي بجميع المقاييس- لم تزل تتربع على عرش مواجهة فيروس كورونا.

وقد يكون ما سبق هو ما دعا منظمة الصحة العالمية إلى أن تصف أسلوب السويد قي مواجهة كورونا بأنه نموذج يحتذى به.

وهو ما دعا أيضاً واحداً من كبار علماء علم الأوبئة في جامعة أكسفورد إلى أن يمدح النموذج السويدي في مواجهة كورونا ويعتبره أيضاً مثالاً يحتذي به!

ويحضرني هنا أيضاً ما ذكرته مجلة “فورين أفيرز” العالمية وهو أن النموذج السويدي سيكون النموذج الأمثل للاقتداء به قريباً.

والمبهر في الأمر أن السويد بعد ان انتهجت أسلوب “المناعة الطبيعية” ورفضت الإغلاق – على عكس الكثير من الدول الأخرى- تكون بذلك قد أسست أيضاً لحماية نفسها من التعرض لموجات أخرى عنيفة لهذا المرض بعد انتهاء عملية الإغلاق الكامل.

وللحديث بقية!!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى