لماذا ترفض إيران خيار “الاتفاق النووي المؤقت”؟
د. محمد عباس ناجي

مع قرب بداية شهر فبراير –وهو الموعد الذي كان مقترحاً للانتهاء من مفاوضات فيينا– بدأ العديد من المسؤولين المشاركين في المفاوضات، يشيرون إلى أنها تقترب من نهايتها. ويبدو أن الخلافات العالقة بين الأطراف المنخرطة في التفاوض تتطلب مزيداً من الوقت لكي يتم التوصل إلى توافقات بشأنها. ومن هنا، طرحت روسيا خياراً أيدته الولايات المتحدة الأمريكية، تمثل في إبرام اتفاق مؤقت، إلا أن إيران رفضته، وهو ما يمكن تفسيره في ضوء عوامل عديدة، يتمثل أبرزها في أن هذا الاتفاق سوف ينزع منها ورقة الضغط الأهم، وهي تسريع الأنشطة النووية، فضلاً عن أنه لا يضمن عوائد كبيرة لإيران، ربما باستثناء رفع جزئي للعقوبات الخاصة بالصادرات النفطية، فضلاً عن خشية حكومة إبراهيم رئيسي من تعرضها لانتقادات داخلية في حالة الوصول إلى هذا الاتفاق.

أعلن المتحدث باسم الحكومة الإيراني علي بهادري جهرمي، في 25 يناير الجاري، أن الوصول إلى اتفاق مؤقت ليس على جدول أعمال إيران في المفاوضات؛ وذلك في رد على التقارير التي أشارت إلى أن روسيا تقدمت باقتراح لإبرام اتفاق مؤقت لمدة 6 أشهر قابلة للتجديد، يتضمن رفعاً جزئياً للعقوبات الأمريكية المفروضة على إيران مقابل وقف بعض الأنشطة النووية الإيرانية الأكثر حساسية، على غرار تخصيب اليورانيوم بنسبتَي 20 و60%. وربما كان هذا الخيار محوراً رئيسياً في المحادثات التي جرت في موسكو بين الرئيسين الإيراني إبراهيم رئيسي والروسي فلاديمير بوتين، في 19 يناير الجاري، إلا أنه في النهاية لم يَحْظَ بقبول من جانب طهران.

عوامل عديدة

يمكن تفسير موقف إيران الرافض للوصول إلى هذا الاتفاق في ضوء عوامل عديدة، يتمثل أبرزها في:

1- الخوف من افتقاد ورقة ضغط “استمرار النشاط النووي”: سوف ينزع هذا الاتفاق النووي المؤقت ورقة الضغط الأهم التي تمتلكها إيران في الوقت الحالي وتسعى إلى استخدامها من أجل الحصول على أعلى مستوى من التنازلات الأمريكية. وبعبارة أخرى، فإن إيران ترى أن ما يفرض ضغوطاً قوية على الدول الغربية، ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية، في الوقت الحالي، هو استمرار النشاط النووي الإيراني على الوتيرة نفسها، بالتوازي مع استمرار المفاوضات، وهو ما يمكن أن يدفع الأخيرة إلى تقديم تنازلات أكبر من أجل وقف هذا التطور عبر الوصول إلى اتفاق مستدام يتضمن بنوداً تتوافق مع حسابات طهران. أما في حالة الاتفاق المؤقت، فإن ذلك لن يحدث؛ لأن الهدف الأساسي من هذا الاتفاق هو وقف النشاط النووي الحالي، ومن ثم تقليص حدة الضغوط التي تتعرض لها الولايات المتحدة الأمريكية في مفاوضات فيينا، على نحو يمكن أن يدفعها إلى إبداء مزيد من التشدد في حالة استئناف المفاوضات في مرحلة لاحقة للوصول إلى اتفاق نهائي.

2- عدم ملاءمة الاتفاق المؤقت لطموحات طهران الاقتصادية: سوف يتضمن الاتفاق المؤقت، في الغالب، رفعاً جزئياً للعقوبات الأمريكية المفروضة على الصادرات النفطية الإيرانية، بما يعزز قدرة إيران على تصدير جزء من نفطها إلى الأسواق الدولية. لكن إيران ترى أن ذلك لا يعكس طموحاتها التي تقوم على ضرورة الوصول بمستوى الصادرات النفطية إلى نحو 2.5 مليون برميل يومياً، وهو ما لن يوفره الاتفاق المؤقت في كل الأحوال. فضلاً عن ذلك، فإن إيران نجحت خلال الفترة الماضية في تصدير جزء من نفطها إلى الخارج عن طريق التهريب. وتشير التقديرات إلى أن إيران تُصدر نحو 600 ألف برميل نفط يومياً في الفترة الأخيرة، بعد أن كانت قد وصلت إلى 900 ألف برميل في بعض الأحيان خلال عام 2021.

3- الخشية من ديمومة الاتفاق المؤقت والضغط الدولي لتجديده: ربما تخشى إيران من أن تعزف القوى الدولية، لا سيما الدول الغربية، عن استكمال المفاوضات، في حالة الوصول إلى اتفاق مؤقت، من أجل إبرام اتفاق نهائي. وبمعنى أدق، فإن إيران لا تستبعد أن تتجه تلك الأطراف إلى ممارسة ضغوط من أجل تجديد الاتفاق المؤقت، بما يفرض ديمومة لهذا الاتفاق، وتكون إيران بذلك أكبر الخاسرين، باعتبار أنها سوف توقف الأنشطة النووية الأكثر حساسية، في مقابل الحصول على عوائد اقتصادية قليلة. وقد ترى اتجاهات في طهران أن الدول الغربية تسعى بالفعل إلى تحقيق هذا الهدف، معتبرةً أن الاتفاق المؤقت هو في النهاية اتفاق نهائي يستوعب مخاوفها من التطور الحالي من البرنامج النووي الإيراني ولا يتضمن مزايا استراتيجية واقتصادية كبيرة لإيران.

4- استباق نتائج انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي: قد يكون تحفظ إيران تجاه هذا النوع من الاتفاقات، مرتبطاً بإجراء انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي في نوفمبر القادم؛ إذ لا تستبعد طهران أن تسفر الانتخابات عن أغلبية جمهورية معارضة للمفاوضات مع إيران وللاتفاق النووي، على نحو يمكن أن يعرقل الوصول إلى اتفاق مستدام –في حالة إبرام اتفاق مؤقت لمدة 6 أشهر– أو يدفع إدارة الرئيس الأمريكي إلى إبداء مزيد من التشدد في إدارتها للملفات الخلافية العالقة مع إيران. وقد بدت مؤشرات ذلك مبكراً مع المطالبات التي يتبناها عدد من أعضاء الكونجرس الأمريكي بضرورة تغيير نهج التفاوض المتبع مع إيران، على نحو انعكس في التصريحات التي أدلى بها السيناتور الجمهوري جيم ريش كبير الجمهوريين في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ إلى صحيفة الشرق الأوسط، في 26 يناير الجاري؛ حيث قال: “إن على الإدارة زيادة الضغط على إيران وأن تضع تاريخاً محدداً لإنهاء المفاوضات وتطبيق العقوبات وفرض عقوبات إضافية واعتماد سياسة الردع في المنطقة”.

5- تجنب تعرض حكومة “إبراهيم رئيسي” لانتقادات داخلية: منذ تولي الرئيس إبراهيم رئيسي مقاليد منصبه، في 5 أغسطس الماضي، وهو يشن –بجانب مسؤولي حكومته– حملة قوية ضد السياسة التي سبق أن تبنتها الحكومة السابقة برئاسة حسن روحاني؛ حيث اعتبر أنها فرطت في حقوق إيران عندما أبرمت الاتفاق النووي مع قوى مجموعة “5+1” في 14 يوليو 2015، ولم تضع في اعتبارها احتمال إقدام الولايات المتحدة الأمريكية على الانسحاب من الاتفاق النووي وإعادة فرض العقوبات على إيران على نحو أفرغ الاتفاق الحالي من مضمونه؛ ففي مقابل التزام إيران ببنوده –قبل أن تنتهك هذه البنود بداية من منتصف عام 2019– لم تحصل سوى على النزر اليسير من العوائد الاقتصادية؛ حيث تراجعت صادراتها النفطية مرة أخرى، وانسحبت الشركات الأجنبية من أسواقها بسبب العقوبات الأمريكية.

هذه الحملة القوية –التي توازت مع تشكيل فريق من المفاوضين الذين كانوا معارضين في الأساس للاتفاق النووي– كان لها نتيجة أخرى، تتمثل في أن الحكومة الحالية رفعت سقف التوقعات الخاصة بالمفاوضات الحالية؛ حيث بات الشارع الإيراني يتوقع الحصول على أعلى مستوى من العوائد التي يمكن أن تتمخض عن أي اتفاق محتمل في فيينا، خاصةً مع استغلال إيران ورقة استمرار الأنشطة النووية الرئيسية. ومن هنا، فإنها لا تستطيع بسهولة إعادة الترويج للاتفاق المؤقت؛ لأنها بذلك سوف تعرض نفسها لحملة مماثلة ليس فقط من جانب تيار المعتدلين أو الحكومة السابقة، وإنما حتى من جانب تيار المحافظين الأصوليين الذي تنتمي إليه.

الخيار الأخير

هذه العوامل في مجملها تشير إلى أن إيران تفضل في الوقت الحالي الوصول إلى صفقة شاملة خلال المفاوضات الحالية، تتضمن التوافق على مستوى العقوبات الأمريكية التي سوف ترفع، فضلاً عن الإجراءات التي ستتخذها إيران للعودة إلى التزاماتها في الاتفاق النووي. ومع ذلك، فإنه إذا تبين لإيران صعوبة تحقيق ذلك خلال الوقت المتبقي من المفاوضات، فإنها قد تفكر في خيارات أخرى، بما فيها الاتفاق النووي المؤقت، الذي سيكون، في هذه الحالة، هو “أسوأ الخيارات المطروحة”. وقد أثبتت إيران قدرتها دوماً على تغيير مواقفها وامتلاك تفسيرات عديدة لها، على غرار موقفها من المحادثات المباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث إنها كانت ترفض دوماً هذا الخيار، إلا أنها عادت في الوقت الحالي لتشير إلى أنه قد يُطرَح للنقاش، ما دام الوصول إلى صفقة في فيينا يحتاج إلى ذلك. وبعبارة أخرى، فإن إيران دائماً ما تتجنب مأزق الخيار الوحيد؛ حيث تسعى بصفة مستمرة إلى امتلاك أكثر من خيار لتأمين مصالحها وتحقيق أهدافها.

د. محمد عباس ناجي. رئيس تحرير دورية مختارات إيرانية، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى