لماذا قتل ترامب الجنرال سليماني؟

يعيش الرئيس الاميركي دونالد ترامب ازمة داخلية حشرته في الزاوية امام مجموعة من السياسيين والمشرعين في الكونغرس، ساعدهم غباءه وتسرعه واندفاعه الى الحضن الاسرائيلي المتشدد وتطبيق سياسته من دون ادنى قدر من التفكير.

بعد عملية الاغتيال ظهر الرئيس بوجهٍ متجهّم ليقول “إن هدف الهجمات هو حماية المصلحة الوطنية للولايات المتحدة، ومصالح شعوب الشرق الأوسط والعالم كذلك”.

ثم غرّد قائلاً “قتل الجنرال قاسم سليماني آلاف الأميركيين أو تسبّب لهم بإصابات بليغة على امتداد فترة طويلة من الزمن وكان يخطّط لقتل المزيد…لكنّه وقع في الفخّ”.

هذا المشهد يعيد التاريخ الى عقدين سابقين عندما اقدم الرئيس الاميركي الاسبق بيل كلينتون على ارتكاب جريمة ضد الشعب العراقي من خلال قصف مكثف على المنشآت الطبية والانسانية وذلك في يوم 16 ديسمبر (كانون الأول) 1998، قبل ثلاثة أيّام فقط على عزله في مجلس النواب.

اخبر كلينتون العالم أنّه أمر بشنّ هجمات عسكرية على العراق- زاعماً أنّ السبب هو انتهاك البلد للعقوبات التي فرضتها عليه الأمم المتحدة.

في العام 1998، واجه كلينتون الكثير من الإنتقادات من الذين اعتقدوا أنه يسعى إلى تحييد الإنتباه عن مشاكله السياسية الداخلية. واتّهمه كثيرون بالنفاق في مسألة العراق. فلو كانت مأساة المدنيين العراقيين تهمّ الولايات المتحدة إلى هذا الحدّ ، لماذا فرضت عليهم إذاّ عقوبات قتلت آلاف الأطفال؟ بعد شنّ الهجمات بشهرين، إستقال دينيس هاليداي، مسؤول الأمم المتحدة رفيع المستوى.

لا شكّ أنّ سليماني، رأس الحربة في الجهود الإيرانية الرامية لبسط نفوذها على المنطقة، تسبّب بمقتل أميركيين كثر، حتى ولو لم تتوافق الحصيلة النهائية بحسب الخبراء مع تلك التي أعلنها الرئيس.

لكن لو أنّ الرئيس قلق فعلاً من التهديد الذي تمثله إيران، المصابة بالوهن والإنهاك الإقتصادي بسبب إعادة واشنطن فرض العقوبات عليها بعد انسحاب ترمب من طاولة المحادثات النووية الإيرانية المتعددة الأطراف، ألم يفاقم وضعاً آيلاً للإنفجار سوءاً؟ ها قد توعّدت إيران بالفعل بـ”ردٍّ قاسٍ”.

غلطة “العزل” وخرافة “مصير أميركا في خطر”
منذ عشرين عاماً، تبنّى مارك ويسبروت الشريك المؤسس للمركز الفكري التقدّمي، مركز الأبحاث الإقتصادية والسياسية، موقفاً حاداّ من أفعال كلينتون.

وكتب في مقالة رأي “إنّ قرار الرئيس كلينتون قصف العراق عشيّة التصويت على عزله يعطي معنى جديداً كلياً لعبارة “الشفافية”. فالدلائل الظرفية على وجود علاقة بين الحدثين قوية للغاية:  كان التصويت لعزله في مجلس النواب مسألة شبه مؤكّدة، وبدى هذا المخرج الوحيد أمامه”.

وأخبر ويسبروت صحيفة الإندبندنت أنّ قرار ترمب بشنّ الهجمات ربّما لا يتعلق بالعزل- إذ برأيه من غير المرجّح أبداً أن يصوّت عدد كافٍ من الجمهوريين في مجلس الشيوخ لإدانة الرئيس – بقدر ما يرتبط بانتخابات العام 2020.  وقال إن معدّلات تأييد جورج بوش الإبن في استطلاعات الرأي حققت قفزة كبيرة بعد اجتياحه العراق في العام 2003، وهي عملية عسكرية أدت على الأرجح إلى مقتل أكثر من مليون مواطن عراقي.

وأضاف “المرة الوحيدة التي حصل فيها ترمب على تأييد أجزاء كبيرة من الإعلام هي عندما شنّ ضربات عسكرية على سوريا”.

“من وجهة نظر ترمب، هذه أفضل فرصة له كي يُعاد انتخابه. لا أظنّه قلق جداً من العزل ولكن يمكنك اعتبارها ’ضمانة‘”.

شنّ ترمب حملة شهيرة لإعادة القوات الأميركية من الشرق الأوسط، ولكنّه أرسل لتوّه 3500 جندي إضافي.

ربّما تزيد معدلات تأييد الرئيس على المدى القصير- ولا شكّ أنّه سيحظى بتأييد مؤسسة السياسة الأميركية الخارجية والمؤسسة العسكرية.

لكن يُحتمل أن تتدهور الأمور بسرعة. لم يمرّ وقت طويل قبل أن يأمر بوش، الذي اندفع في البداية لاجتياح العراق استناداً إلى معلومات استخباراتية مُختلقة، بمنع الوسائل الإعلامية من تصوير عودة توابيت الجنود الأميركيين في قاعدة دوفر الجوية في ولاية ديلاوير. هذا ليس بمشهدٍ يرغب أيّ رئيس أن تبثّه الإذاعات أو تنشره وسائل التواصل الإجتماعي.

والحقيقة أنّ أحداً لا يعلم مآل الأمور حالياً. وهو ما يجعل الأوامر التي أصدرها دونالد ترمب مساء الخميس بغاية الخطورة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى