لماذا لا يسعى اللبنانيون من أجل الحرية؟
وسام سعادة

حالة الاختناق التي تتحلل ضمنها أشكال الوجود المجتمعي في لبنان هي النقيض التام لمفهوم الحرية. هناك بلد نخسره كل يوم أكثر أمام أعيننا. بلد تتطلّب استعادته «بكل بساطة» ان يقرّ العدد الأكبر من سكانه أن التنفس هو أصل معنى الحرية في الحيوان وفي الإنسان، وأن المعركة الفعلية في لبنان اليوم هي في الدفاع عن الحق في التنفس. هي في التنفس الصحي.
هي معركة حرية بشكل أكثر جذرية مما يساق عادة تحت عنوان معركة «حريات».
وربما كان يعاني لبنان أقل من سواه من البلدان العربية، على مستوى «الحريات» لكنه في نفس الوقت البلد العربي الذي يعيش اغتراباً عن شرط إمكان الحرية الأول، الحق في التنفس، بشكل لا يقلّ أبداً عن سواه. الناس من حولنا لا تتنفس بشكل «طبيعي» تتنفس بضيق معلوم في الصدور. تتنفس بعسرة، وكآبة، وشعور بأن مطرحها ليس هنا. ما يكبس على الصدور هو ما لا تلحظه نشرات الأخبار، التحاليل السياسية للأوضاع، بل حتى لا يوفى قسطه في مناشير المجموعات الداعية الى قلب الأوضاع رأساً على عقب، والتي لا تزال تستحضر أيام خريف 2019 الملتهبة.
يختبر الناس في هذا البلد، وبشكل محموم، أشكالاً فظيعة من الابتزاز لهم في دنياهم وآخرتهم، بشكل يظهر فيه الابتزاز المتنوع والشامل، بمثابة النقيض المطلق للحرية قبل نقائضها الأخرى، من طغيان وقمع وتجهيل وترهيب، وبمعية كل هذه.
يصنع نمط الابتزاز الكلي من الأوضاع العشوائية نسقاً كاملاً وقاتلاً، بحيث يتنازل فيه المرء في نفس الوقت عن الحرية من أجل الرغيف، وعن الرغيف من أجل الحرية، عن الأمان من أجل الكرامة، وعن الكرامة من أجل الأمان، عن الدنيا من أجل الآخرة، وعن الآخرة من أجل الدنيا. هكذا، وعلى مدار الوقت. نعرف نماذج التنازل عن الحرية من أجل الرغيف مثلا، لكننا في حال لبنان اليوم أمام نموذج تنازل مزدوج عن هذا من أجل ذاك، وعن ذاك من أجل هذا.
في بلد بلا حكومة منذ أكثر من نصف عام، واتساقاً بلا برلمان، بما أن الحكومة هي من يرسل مشاريع القوانين الى المجلس في نظام برلماني، ومؤسسات دستورية معطلة جميعها، ثمة في الوقت عينه نمط متكامل من الابتزاز، يتحرك ضمن مثلث
الدولة الجهازية، منزوعة المأسسة شيئا بعد شيء، دولة الأجهزة، ومنظومة الإمرة العليا فوق هذه الدولة، أي «الدولة الفوقية أو العُلويّة» التي يتولاها السلك الحرسي للممانعة، المتماهي مع «الباسدران» في إيران، والملأ الأوليغارشي (من مصرف مركزي ومصارف خاصة). مثلث أقل ما يقال فيه أنه يفرز حالة اختناق متمادية.
ومن أشكال الاختناق اختزال هذا المثلث الى ضلع منه، وعدم محاولة فهم العلاقة المركبة وغير السهلة أبدا بين هذه الأضلاع، أو ضمن المثلث بشكل عام. لكن أيضا، هناك مشكلة غير الاختزال، هي استحضار الضلعين الآخرين للتعمية على الضلع الثالث في كل مرة يكون فيه الأكثر إغلاظا على الناس أحد هذه الأضلع أكثر من الآخر.

لكن هذا المثلث لا يكتفي بافراز حال الاختناق، بل يستبدل الحاجة للعقد الاجتماعي بين الناس، والحاجة لاستناد الدولة نفسها إلى هذا العقد، بـ«عقد الابتزاز» الذي يحلّ محلّ الواقع. لبنان بلد تحت الابتزاز. تحريره من الابتزاز يعني معركة تحرير وطني بامتياز، لكن هذه لا يمكن أن لا تكون مستندة الى مفهوم جذري للحرية، وعدم اتصالها بالشكل الكافي بهذا المفهوم بعض من أوجه تأخر نشوب هذه المعركة. صحيح تماما أن حرية مقطوعة عن معاني المساواة والعدالة هي حرية خارج نفسها، حرية منفية خارج الحرية، لكن كل تناول المداخل الى المساواة والعدالة من خارج الحرية هو أسوأ من ذلك بكثير. المساواة غير الحرة لا يمكنها إلا أن تكون شكلا متقدما ونافرا وكاذبا في نفس الوقت من أشكال اللامساواة.
المفهوم الجذري للحرية هو في الوقت نفسه مفهوم عادي للغاية: الحرية هي أن تتنفس من دون أن يمنّ عليك أحد بأنك تتنفس لأنه هو أراد ذلك، أو أجاز ذلك، أو استحلى لك ذلك. وهذا لم يعد في بلد كلبنان أمراً بديهياً. عدّ الأنفاس أسوأ من حبس الأنفاس. عدّ الأنفاس يتحول ليكون القاعدة.
نقيض الحرية ليس القمع المباشر والعنيف فقط. نقيضها العمل على قتل «النَفَس» في الإنسان، أي بصورة متتمة، إخماد المجتمع. وهذه مشكلة الطغيان الأبدية. ينحو الطغيان من أجل إخماد المجتمع الذي يسيطر عليه، لكنه كلما اقترب من الإخماد الكامل لمجتمع ما، وجد الطغيان نفسه في مشكلة أيضاً، إذ لا يعود عنده أي سبب للخوف من الناس، وبالتالي يفقد الطغيان طاقة الدفع فيه. حين يخمد الطغيان مجتمعه تخمد قدرته على الطغيان. هناك سرطان مميت، لكن ما من سرطان ينمو في الجسد الميت.
في المقابل، طالما بقيت في الجسم بقية حياة، ورغم كل عسرة في التنفس، كل وجوم واحباط ينعكسان حرفيا وعضويا على كل تنشق وزفير، فإنه لا يمكن إخضاع جسم ما بشكل كامل، ولا يمكن إخضاع مجموعة أجسام وألسن، أي مجتمع ما بالنتيجة، بشكل كامل. ولأنه لا يمكن إخضاع الناس بشكل كامل، كذلك لا يمكن الدفع بهم الى الاغتراب بشكل كامل.
مما يصعب المسائل على الناس غياب حامل جذري لمفهوم الحرية، على النحو الجذري هنا، أي على النحو الذي لا تختزل فيه الحرية الى مجموعة «حريات عامة وخاصة» أو إلى «حقوق مدنية وسياسية» تُضاف الى تلك الاقتصادية والاجتماعية. فالحرية لا تختصر لا بوعي الضرورة، ولا بتوسيع قيد الممكن. الحرية ليست وعي الضرورة كما لو كانت الضرورة شيئا آخر، بقدر ما هي الضرورة من داخلها، وهذا لم يشرحه أحد في تاريخ الفلسفة بشكل أكثر فطنة ونسقية وسحراً من باروخ سبينوزا في القرن السابع عشر. الحرّ هو الموجود تبعاً لضرورته، ومن خلال مثابرته في الوجود (الكوناتوس). أن تكون حرّاً ليس يعني فقط أن تعي ما تريد، بل ان تعني ما تريده، إذ نبّه سبينوزا الى أنه يوهم نفسه بأنه حرّ من يرجع الحرية الى ارادته ويجهل كيف تحرّك هذه الارادة جسده لتحقيق هذه الحرية. في الوقت عينه، كان سبينوزا واضحاً تماما: الحرية للقول لا يمكن أن تكون ناقصة، ولا تحتاج لتسويغ نفسها بشيء آخر، ولا فكر من دون حرية فكر، ولا حرية فكر من دون مواجهة مع كل أصناف التجهيل والشعوذة والابتزاز الذهني والعاطفي للناس، لأن لا طغيان يستمر اساسا دون الاتكاء على كل هذا.
في لبنان اليوم، نمط الابتزاز الكلي يطغى حتى على الطغيان. وهذا النمط بالتحديد، الذي يحول دون التنفس الحر، هو من أكثر ما ينادي لاستلهام فكر الحرية بامتياز، فكر الحرية الضرورية والضرورة الحرة، الفكر الاسبينوزي. قد يبدو هذا «فلسفيا» أكثر بكثير مما يحتمله بلد مثقل بالوجوم والغم وانعدام الأفق، لكنه حيوي أيضا، وأكثر ما فيه حيوية هو أن السؤال الاسبينوزي المفتاحي في الفلسفة السياسية هو السؤال «اللبناني» بامتياز: لماذا يسعى المرء من أجل وقوعهم تحت العبودية كما لو كانت هذه العبودية هي حريتهم؟
لماذا لا يسعى اللبنانيون من أجل الحرية؟ لماذا لا يسعون من أجل حرية ترفض الخضوع لمصفوفة الابتزازات القائمة؟

Font Awesome Icons

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى