لماذا يجب أن يغير الوباء طريقة التفكير الأميركية؟

تبدو الصين وروسيا في وضع يؤهلهما للخروج من جائحة “كوفيد 19” بمزايا نسبية على الولايات المتحدة. ويمكن أن تتحمل شركات الدولة في الصين العبء الأكبر للصدمة الاقتصادية، وقد سمح لها نظامها الاستبدادي بفرض سياسات قاسية للحجر الصحي. وبسبب سنوات من العقوبات الدولية، قامت روسيا بدورها ببناء نوع من الاكتفاء الذاتي في نموذجها الاقتصادي، مع وجود مئات المليارات من الدولارات من الذهب واحتياطيات العملة الصعبة لديها للمساعدة على تعويض الانخفاض في أسعار الطاقة.

على النقيض من ذلك، تعرضت الولايات المتحدة، المنغمسة في آليات السوق الحرة العالمية، لأضرار بالغة بسبب تفشسي الوباء. وأصبح النظام العالمي الذي شيده البلد وعمل على صيانته في ظل كل رئيس أميركي، من هاري ترومان إلى باراك أوباما، في وضع يقترب من الخراب الكامل، مع عدم قدرة مجموعة السبعة وغيرها من المؤسسات التي يقودها الغرب على تنسيق العمل وسط أزمة الوباء بسبب الافتقار إلى التوجيه من البيت الأبيض.

وفي الوقت نفسه، من المرجح أن تتقلص ميزانية الدفاع الأميركية لسنوات عديدة قادمة، بفضل الكميات الهائلة من الديون التي تراكمت على الكونغرس والاحتياطي الفيدرالي بسبب مبادرات تحفيز الاقتصاد. ومع ذلك، فإن هذا كله يحجب المشكلة الحقيقية، وهي أن الصين وروسيا -وهما مجتمعان فيهما معدلات ولادة منخفضة وتخشيان الخسائر البشرية كما نفعل نحن- تنظران إلى الحرب من خلال عدسة أوسع بكثير من مجرد العمليات العسكرية التقليدية. إنهما تريانها في سياق يضم الاقتصاد والحرب السيبرانية والدعاية والاستخبارات. ومع ذلك، يشكل “كوفيد 19” -على الرغم من أن الصين لم تنشره عمداً، كما يلمح الرئيس ترامب، انتصارًا تكتيكيا -مهما كان عرَضيا- لهاتين القوتين السلطويتين.

في كتابه الجديد، “التنانين والأفاعي: كيف تعلَّم البقية محاربة الغرب”

The Dragons and the Snakes: How the Rest Learned to Fight the West، يصف ديفيد كيلكولين، الأكاديمي والاستراتيجي العسكري الأسترالي، ما كان يفعله الصينيون والروس بأنه “غلاف مفاهيمي”، مشيراً إلى أنه “في الوقت الذي ندرك فيه أننا في حالة حرب، فإننا نكون قد خسرناها مسبقاً”. وفي حين أننا لم نصل إلى هذه المرحلة بعد، فإن الوباء -وهو أزمة أمنية عالمية مغيرة للتاريخ، والتي هي غير عسكرية، وإنما التي كشفت هشاشة العالم الغربي- أثبت كيف أن المقاربة العسكرية البحتة لمنافسة القوى العظمى سوف تقوض من الآن فصاعدًا موقف الولايات المتحدة في صراعها مع الصين وروسيا.

اعتقد الفيلسوف الصيني القديم، صن تزو، الذي أجاز كل شكل من أشكال الخداع من أجل تحقيق الميزة الاستراتيجية، أن الانخراط في إراقة الدماء هو في حد ذاته علامة على سوء الحسابات. وقد أخذت بكين هذه النصيحة على محمل الجد. وفي حين أننا ما نزال نفكر في الطريقة الغربية في الحرب -سواء في الوحدات العسكرية التقليدية الكبيرة أو في قوات العمليات الخاصة الصغيرة- كاستراتيجية، فإنها في حقيقة الأمر مجرد عنصر واحد من عناصر المعركة.

يجب أن تتبنى استراتيجيتنا نهجاً حقيقياً أصيلاً للحكومة بأكملها، والذي يشمل وزارة الخارجية ووزارة التجارة والوكالات والهيئات الأخرى. لكن الأمور لا يمكن أن تتوقف عند هذا الحد. يبجب أن تربط هذه الاستراتيجية أيضاً السياسة الأمنية الحكومية بشكل أوثق مع أنشطة الصناعة، وخاصةً شركات التكنولوجيا المتقدمة، حتى تعمل جميعها بتنسيق فضفاض لتحقيق الأهداف الأميركية والغربية.

سوف يصبح تحقيق هذا أسهل بينما تصبح سلاسل التوريد أقل اعتمادًا على الصين، ويضطر “وادي السيليكون” إلى تجميع منتجاته في دول حليفة للولايات المتحدة بحكم الأمر الواقع -مما يجعل المصلحة الذاتية لوادي السيليكون تتماشى أكثر مع مصالح واشنطن. إننا نتجه نحو عالم أكثر انقسامًا، والذي يفضل التعاون بين القطاعين العام والخاص عندما يتعلق الأمر بكل قوة عظمى -على النقيض من العالم المعولم الذي نتركه خلفنا تدريجياً، حيث كانت الشركات الأميركية في طريقها إلى أن تصبح بلا جنسية.

كان هذا شيئاً أتقنه الصينيون والروس -مع اعتماد بيروقراطيات خاضعة للسيطرة بشكل أكثر إحكاماً وشركات تسيطر عليها الدولة. وسواء كان الأمر يتعلق بأن شركات “غازبروم” أو “روسنفت” أو “شركة النفط الوطنية الصينية” العاملة في الخارج تتصرف كأذرع لحكوماتها -أو ما إذا كانت روسيا تسعى إلى جذب أوروبا الغربية أكثر نحو شراء الغاز الطبيعي في سيبيريا، أو ما إذا كانت الصين تجبر الدول بمهارة على الانضمام إلى “مبادرة الحزام والطريق” التي تنفذها وشبكة “جي-5” التي أنشأتها- فإن هذا هو الوجه الجديد للحرب.

لن يكون الجواب مجرد نشوء تعالُق أكثر إحكاماً بين القطاعين العام والخاص، مصحوباً بالمزيد من التنسيق بين الوكالات؛ بدلاً من ذلك، سوف يكون الجواب هو استعادة العلامة التجارية الأميركية بحيث يشعر القطاع الخاص بالراحة في العمل مع القطاع العام في المقام الأول. لم تعد الأممية وتعزيز حقوق الإنسان خيارين، وإنما أصبحا ضرورات في هذا الصدد. وهما يعملان لصالحنا من خلال السماح لنا بإحياء التحالفات وإعادة الشباب إليها -حتى بينما نعلم على وضع روسيا والصين في موقف الدفاع والتراجع وفقدان التوازن.

على الرغم من الضربات القاسية التي تعرضت لها مؤسساتنا، فإننا ما نزال في وضع قوي نسبياً. ويكشف الصينيون والروس، بإعلانهم زعماءهم رؤساء مدى الحياة عملياً، عن غير قصد مدى هشاشتهم، ويسلطون الضوء على فراغ مؤسسي عميق في مجتمعاتهم مع تقدم شي جين بينغ وفلاديمير بوتين في السن.

سوف يكون المنتصر النهائي في صراع القوى العظمى الجديد هذا هو الذي يلتقط روح العصر المتطورة. وتعني حقيقة أن كل البشرية -على كوكب يصبح أكثر ازدحاماً وترابطاً باطراد – تعاني من الصدمات نفسها أن وعياً عالمياً يجب أن ينجم أخيراً في حقبة من استيقاظ الشياطين الكوكبية، والتي تشمل تغير المناخ والأوبئة. وفي هذا العالم الذي تحركه وسائل الإعلام، سوف يكون هناك نضال مستمر من أجل الحصول على مكانة بين القوى العظمى. وسوف يجعلنا التنافس في المجال العسكري فقط في ظل هذه الظروف بلا دفاع فحسب.

*مستشار رفيع في مجموعة “أوراسيا” ومؤلف كتاب “الأميركي الخيّر: الحياة الملحمية لبوب غيرسوني، أعظم إنساني في الحكومة الأميركية”، الذي سيصدر في أيلول (سبتمبر) المقبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق