لماذا يفتك “كورونا” بالأميركيين الأفارقة؟

السياسي – يظهر تحليل البيانات المتاحة والتركيبة السكانية أن المقاطعات ذات الأغلبية السوداء لديها ثلاثة أضعاف معدل الإصابة بفيروس كورونا وحوالى ستة أضعاف معدل الوفيات في مقاطعات يكون السكان البيض هم الأغلبية فيها.

وساد الاعتقاد منذ بدء انتشار وباء فيروس كورونا في العالم أن هذا الفيروس قاتل وذكي وسريع الانتشار، يتقن التخفي والتسلل بين الحدود والدول ويعبر القارات، لكنه يساوي بين الجميع، لا يميز بين عرق ودين وطبقة ودولة وقارة. فهو ليس عنصرياً ولا طائفياً ولا طبقياً ولا جهوياً. لكن واقع الحال ليس كذلك في الولايات المتحدة الأميركية حيث أظهرت الإحصاءات أن الأميركيين من أصل أفريقي يصابون ويموتون بمعدلات أعلى من الأعراق الأخرى. هذا ما أظهرته البيانات في عدد من المدن والولايات على الرغم من تعمد بعضها عدم إدراج العرق في إحصاءات الإصابات والوفيات بمرض “كوفيد – 19″، كي لا يظهر جلياً ارتفاع نسبة الإصابات والوفيات بين السود.

ووفقاً لتحليل لصحيفة “واشنطن بوست” للبيانات المبكرة من الولايات في جميع أنحاء البلاد، بدا أن الفيروس يصيب ويقتل الأميركيين السود بمعدل مرتفع بشكل غير متناسب. وقد أدى هذا التفاوت العنصري الصارخ إلى الاعتراف بالمخاطر المتزايدة على الأميركيين الأفارقة وسط تزايد المطالب بأن ينشر مسؤولو الصحة العامة مزيداً من البيانات حول عرق المرضى والنزلاء في المستشفيات والموتى بسبب العدوى التي قتلت أكثر من 12000 شخص في الولايات المتحدة.

ويظهر التحليل اللاحق للبيانات المتاحة والتركيبة السكانية أن المقاطعات ذات الأغلبية السوداء لديها ثلاثة أضعاف معدل الإصابة بفيروس كورونا وحوالى ستة أضعاف معدل الوفيات في مقاطعات يكون السكان البيض هم الأغلبية فيها.

فنأخذ على سبيل المثال ميلووكي، في ولاية ويسكونسن، وهي واحدة من أكثر المدن التي تتعرض للتمييز العنصري في الولايات المتحدة، فقد شكل الأميركيون من أصل أفريقي ما يقرب من نصف حالات الإصابة في مقاطعة ميلووكي البالغ عددها 1000 حالة حتى يوم الجمعة الماضي و81٪ من حالات الوفاة الـ27، على الرغم من أن السود يشكلون 26٪ فقط من السكان هناك، وفقاً لدراسة أجراها موقع “بروبابليكا”ProPublica .

هذا التفاوت مماثل في لويزيانا، حيث كان 70 في المائة من الأشخاص الذين ماتوا بسبب مرض “كوفيد- 19” من السود، على الرغم من أن الأميركيين الأفارقة يشكلون 32 في المائة فقط من سكان الولاية. وقد وقعت حوالى 40٪ من وفيات فيروس كورونا في منطقة نيو أورليانز، حيث غالبية السكان من السود.

وفي ميشيغان، حيث سجلت 845 حالة وفاة، يمثل الأميركيون الأفارقة 33 في المائة من الحالات وحوالى 40 في المائة من الوفيات، على الرغم من أنهم يشكلون 14 في المائة فقط من السكان. بينما يمثل السكان البيض حوالى 23٪ من الحالات المسجلة في ميشيغان و28٪ من الوفيات.

ولا تقدم الولاية تحليلاً للعرق حسب المقاطعة أو المدينة، لكن أكثر من ربع الوفيات حدثت في ديترويت، حيث يشكل السود 79 في المائة من السكان، وتمثل المدينة مع الضواحي المحيطة بها نحو 80٪ من حالات فيروسات كورونا المؤكدة.

وفي ولاية إلينوي، يوجد تفاوت مطابق تقريباً لميشيغان على مستوى الولاية، لكن الصورة تصبح أكثر وضوحاً عند النظر إلى البيانات من شيكاغو فقط، حيث توفي السكان السود بمعدل ستة أضعاف معدل السكان البيض. فمن بين 118 حالة وفاة تم الإبلاغ عنها في المدينة، كان ما يقرب من 70 في المائة من السود. وأكدت إحصائيات مسؤولي الصحة في شيكاغو إصابة عدد كبير من الأميركيين الأفارقة بفيروس كورونا. إذ يمثل السود نصف حالات المرض في المدينة وأكثر من 70٪ من الوفيات، على الرغم من أنهم يشكلون فقط 30٪ من السكان.

وقال مسؤولون في المدينة يوم الإثنين الماضي إنه حتى 5 نيسان / أبريل الجاري، كانت 1824 حالة من أصل 4680 حالة إصابة مؤكدة بفيروس “كوفيد 19” في شيكاغو، هم من المقيمين السود، وذلك بالمقارنة مع 847 من السكان البيض و478 من أصول لاتينية و126 من سكان شيكاغو الآسيويين.

وقالت مفوضة الصحة العامة في شيكاغو، الدكتورة أليسون أروادي، للصحافيين إن سكان المدينة السود يعيشون بالفعل في المتوسط ​​حوالى 8.8 سنوات أقل من نظرائهم البيض.

وقالت رئيس البلدية لوري لايتفوت إن فيروس كورونا “مدمر لشيكاغو السوداء”.

وأبلغت ولايتا كارولينا الشمالية وكارولينا الجنوبية أن نسبة السكان السود إلى السكان البيض الذين ثبتت إصابتهم بالفيروس تفوق النسبة العامة للسكان. كما أن السود عددهم مرتفع بين المصابين في منطقة لاس فيغاس وبين الأشخاص الذين ثبتت إصابتهم بالفيروس في ولاية كونيتيكت. في ولاية مينيسوتا، أصيب السود بفيروس كورونابمعدلات تتناسب تقريباً مع نسبتهم من سكان الولاية، بحسب تقرير لصحيفة “نيويورك تايمز”.

في واشنطن العاصمة، نشر مسؤولو المقاطعة هذا الأسبوع بيانات عن العرق لأول مرة، تظهر أن المرض قتل أفارقة أميركيين بأعداد كبيرة بشكل غير متناسب. كان ما يقرب من 60 في المائة من القتلى الـ22 في المقاطعة من السود، لكن الأميركيين من أصل أفريقي يشكلون حوالى 46 في المائة من سكان المدينة.

وعلى الرغم من أن هذه التفاوتات اجتذبت الاهتمام الوطني في الأيام الأخيرة، فإن بعض المجتمعات ذات الغالبية السوداء قد هزها تفشي الوباء في الأسابيع القليلة الماضية وليس فقط في المدن الحضرية في البلاد. فقد سجلت مقاطعة دوجيرتي ومدينة ألباني، في المناطق الريفية بجنوب غرب جورجيا، أكبر عدد من الوفيات في جورجيا. كان لدى دوجيرتي، التي يبلغ عدد سكانها 90 ألف نسمة، 973 حالة إيجابية و56 حالة وفاة حتى يوم الثلاثاء.

وعلى النقيض من ذلك، كانت مقاطعة فولتون، التي تضم أتلانتا ويبلغ عدد سكانها أكثر من مليون نسمة، 1185 حالة و39 حالة وفاة. ويشكل السكان السود 70 في المائة من سكان دوجيرتي وأكثر من 90 في المائة من الوفيات بسبب فيروس كورونا.

وقال مفوض مدينة ألباني ديميتريوس يونغ: “تاريخياً، عندما تصاب أميركا بنزلة برد، تصاب أميركا السوداء بالالتهاب الرئوي”.

وهكذا تشير البيانات إلى أن التعرض للعدوى قد يختلف بحسب الحي والعرق.

لكن ما الذي يفسر هذا التفاوت في عدد الإصابات والوفيات؟
يقول مسؤولو الصحة إن سكان منطقة نيو أورليانز يعانون من معدلات البدانة ومرض السكري وارتفاع ضغط الدم وهي أعلى من المتوسط ​​الوطني، مما يجعلهم أكثر عرضة للإصابة بـفيروس Covid-19.

عمدة لايتفوت قالت إن مرض السكري وأمراض القلب والجهاز التنفسي “منتشر بالفعل” في المجتمعات السوداء.

وأوضحت أروادي أنه حتى لو تمكن كل شخص في المدينة من الوصول إلى الطبيب، لكن “لا نزال نرى تفاوتات صحية كبيرة بسبب مناطق الصحارى الغذائية (التي لا يوجد فيها طعام صحي) ونقص الشوارع القابلة للمشي فيها”.

وقال الدكتور كاميرون ويب، وهو طبيب أميركي من أصل أفريقي يترشح للكونغرس في ولاية فرجينيا، لقناة “بي بي سي نيوز” إن الوباء “يكشف حقاً خطوط الصدع في مجتمعنا”.

واعترف الرئيس دونالد ترامب علانية لأول مرة بالتفاوت العنصري في إحاطة فريق العمل التابع للبيت الأبيض يوم الثلاثاء الماضي. وقال “نحن نبذل قصارى جهدنا لمواجهة هذا التحدي، وهو تحد هائل”.

تساءل ترامب: “لماذا النسبة هي ثلاث أو أربع مرات أكثر بالنسبة للمجتمع الأسود على عكس الآخرين؟. هذا غير منطقي، وأنا لا أحب ذلك، وسوف نحصل على إحصائيات خلال اليومين أو الثلاثة أيام القادمة على الأرجح”.

وقد تم الإبلاغ عن البيانات التفصيلية عن أعراق مرضى فيروس كورونا بشكل علني في أقل من اثنتي عشرة ولاية والعديد من المقاطعات.

وذكرت “واشنطن بوست” في تحقيقها أن المعدلات المرتفعة لمرض السكري وأمراض القلب وأمراض الرئة لدى الأميركيين من أصل أفريقي موثقة جيداً. وأشار حاكم ولاية لويزيانا جون بيل إدواردز إلى أن هذه المشاكل الصحية تجعل الناس أكثر عرضة للإصابة بأمراض الجهاز التنفسي الجديدة. ولكن لم يكن هناك وباء سابقاً سلط الضوء على الفوارق بشكل واضح.

وقال أنتوني فوشي، مدير المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية، إن الأزمة “تسلط الضوء على مدى عدم قبول هذه الفوارق. لا يوجد شيء يمكننا القيام به حيال ذلك الآن باستثناء محاولة منح الأميركيين الأفارقة أفضل رعاية ممكنة لتجنب المضاعفات”.

وانضمت لجنة المحامين للحقوق المدنية بموجب القانون ومئات الأطباء إلى مجموعة من المشرعين الديمقراطيين، بما في ذلك السيناتور إليزابيث وارن (ماساتشوستس) وكوري بوكير (نيوجيرسي) وكامالا د. هاريس (كاليفورنيا)، في المطالبة في أن تنشر الحكومة الفيدرالية بيانات العرق اليومية حول اختبار فيروسات كورونا والمرضى ونتائجهم الصحية.

وحتى الآن، لم تصدر مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها إلا الأرقام بحسب العمر والجنس.

ويقول المشرعون والمدافعون المدنيون والمهنيون الطبيون إن المعلومات ضرورية لضمان حصول الأميركيين من أصل أفريقي وغيرهم من الأشخاص الملونين على قدم المساواة على الاختبارات والعلاج، وكذلك للمساعدة في تطوير استراتيجية للصحة العامة لحماية أولئك الأكثر تعرضاً للخطر.

في رسالتها إلى وزير الصحة والخدمات الإنسانية أليكس عازار، قالت لجنة المحامين إن “الافتقار المفزع للشفافية والبيانات في إدارة ترامب يمنع مسؤولي الصحة العامة من فهم التأثير الكامل لهذا الوباء على مجتمعات السود والمجتمعات الأخرى الملونة”.

ومع تصاعد الضغط، قال متحدث باسم مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها يوم الثلاثاء إن الوكالة تخطط لإدراج مرضى “كوفيد 19” بحسب العرق والإثنية في تقريرها الأسبوعي عن المرضى والوفيات.

وأشار المسؤولون المنتخبون وخبراء الصحة العامة إلى أجيال من التمييز وانعدام الثقة بين المجتمعات السوداء ونظام الرعاية الصحية. ومن المرجح أن يكون الأميركيون من أصل أفريقي غير مؤمن عليهم ويعيشون في مجتمعات ليس فيها مرافق رعاية صحية كافية. ونتيجة لذلك، تم تشخيص السود تاريخياً بشكل غير متناسب بالأمراض المزمنة مثل الربو وارتفاع ضغط الدم والسكري، وهي ظروف كامنة يقول الخبراء إنها تجعل فيروس كورونا أكثر فتكاً.

خلاصة القول إن هذه الأمراض تعود إلى الفقر والجهل وعدم توافر السكن والطعام الصحيين. وهذا كله يأتي من التمييز وعدم المساواة في فرص التعليم والعمل والدخل بين البيض والسود منذ أجيال.

بقلم: د.هيثم مزاحم/

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق