لماذا ينبغي علينا مشاهدة أفلام حقوق الإنسان؟
هاني بشر

تفقد بهية عملها في إحدى مدارس ولاية تكساس الأميركية، بعد أن رفضت التوقيع على عريضة ترفض حملة المقاطعة لإسرائيل وفرض العقوبات وسحب الاستثمارات (بي دي إس). الطلب جاء من حكومة الولاية لكل العاملين في الهيئات العامة، وهو الطلب ذاته الذي رفضه الصحفي آلان بعد أن طلبت منه ولاية أركنساس أيضا عدم نشر أية مواد إعلامية تدعو لمقاطعة إسرئيل. أما المحامي ميكيل، فقد وجد نفسه في موقف مشابهة بعد أن حُرم من تقديم المساعدات القانونية نتيجة رفضه قانون ولاية أريزونا المناهض لحملة مقاطعة إسرائيل.

يخوض الثلاثة معارك قانونية من أجل رفض التشريع الذي سنته 33 ولاية أميركية من أجل إلزام كل من يعمل في جهة عامة أو يبرم تعاقدا حكوميا، بالتوقيع على التعهد بعدم مقاطعة إسرائيل. وهي معارك تتعلق بالحقوق المدنية، تتبعتها المخرجة البرازيلية جوليا باشا في فيلمها “مقاطعة” الذي اختاره مهرجان هيومان رايتس وتش السينمائي للعرض هذا العام.

ويعدّ الفيلم أحد الأفلام التي تندرج تحت تصنيف حقوق الإنسان، وتحديدا “حرية التعبير وحرية الصحافة”. وهناك عدة أفلام تندرج تحت هذا التصنيف، سواء أكانت أفلاما وثائقية أو روائية. وربما اعتاد المشاهد العربي على أفلام حقوق الإنسان في قالب الفيلم الوثائقي التلفزيوني، بعد أن فتحت الجزيرة الباب على مصراعيه أمام هذا القالب الفني وساهمت في انتشاره خلال العقدين ونصف العقد الماضيين. غير أن معظم المشاهدين لم يعتادوا مشاهدة أفلام حقوق الإنسان في القالب الروائي الخيالي أو الوثائقي الجمالي، لأن كليهما منحصر بشكل عام في المهرجانات السينمائية وبعيد عن العرض في دور السينما. وهناك أهمية في أن ينفتح المشاهد العربي على مثل هذه الأفلام لعدة أسباب، سنذكرها في هذا المقال.

بداية فإن التصنيف الحقوقي للأفلام هو تصنيف فني حديث نسبيا، لا يتعلق بجودة الفيلم أو زاويته الجمالية بقدر ما يتعلق بموضوعه. تماما كالحديث عن الأفلام التي تتعلق ببقعة جغرافية تكسبها بعض الصفات والخصائص، كالأفلام الخليجية أو المصرية. وبالتالي، يغطي هذا النمط من الأفلام قضايا وقصص المعاناة الإنسانية المتعلقة بحقوق الإنسان. وإذا كانت القضايا الحقوقية جافة بطبعها وتميل إلى الحقائق والقوانين، والسينما بطبعها خيالية وتميل إلى الجماليات، فإن نقطة الالتقاء بين هذا وذاك هو البقاء في الإطار الإنساني والتعبير عنه بحسب رؤية المخرج الذي له كامل الحرية في أن يعرض الواقع ممزوجا بالخيال أو مجردا منه كما يشاء، طالما ظل وفيا لقصته والتزم بلغته السينمائية. أما إذا انحرف عن القضية الحقوقية التي يعرضها فحينها يخرج الفيلم عن الإطار الحقوقي، ويمكن أن يوضع تحت أي تصنيف آخر.

لمنظمة مثل هيومان رايتس ووتش مهرجان سنوي متنقل على مدار العام، يجوب 20 مدينة حول العالم، بما فيها مدن أوروبية وأميركية. والأمر ذاته تقوم به منظمة العفو الدولية عبر مهرجان العفو الدولية السينمائي الدولي.
من هذا المنطلق، يمكن أن ننظر لأفلام ذاعت شهرتها مثل فيلم “غاندي” من إخراج ريتشارد أتينبورو عام 1982، والذي عرض قصة الزعيم الهندي الراحل المهاتما غاندي في قالب إنساني قصصي، يعرض لكفاح الشعب الهندي ضد الاستعمار البريطاني. أو فيلم “سيلما” عن حياة الزعيم الأميركي الأسود مارتن لوثر كنغ عام 2014 من إخراج أفا دوفيرني، والذي عرض لنضال السود في الولايات المتحدة من أجل الحقوق المدنية.

المهرجانات والإنترنت كنافذة للمشاهدة
إن ما يعجب قطاعا واسعا من المشاهدين في الفيلمين السابقين، ليس كونهما تجسيدا لشخصيات تاريخية شهيرة، بل لكون قصتهما تعبر عن نضال حقوقي معروف، وهنا يختلط ما هو إنساني بما هو حقوقي وما هو تاريخي. وهذه أسباب هامة لمشاهدة أفلام حقوق الإنسان؛ وذلك لأنها تقدم النضالات الحقوقية إلى جانب المعاناة البشرية في قالب إنساني قصصي، يقرب هذه المفاهيم إلى الناس ويضعها في سياقها السياسي والاجتماعي والتاريخي، كما أنها تعد مرآة يرى فيها الناس أنفسهم ومعاناتهم وكيف أن هناك مجموعة مبدعين قرروا إيصال صوتهم للعالم.

ورغم أهمية هذه الأفلام، فإنه من النادر أن تلتقي السينما التجارية مع أفلام حقوق الإنسان، ولهذا سعت بعض المنظمات الحقوقية الشهيرة، إلى جانب عدد كبير من السينمائيين والجمعيات السينمائية في العالم، إلى إيجاد بديل للوصول بأفلام حقوق الإنسان للمشاهد. ولهذا نجد مثلا أن لمنظمة مثل هيومان رايتس ووتش مهرجان سنوي متنقل على مدار العام يجوب 20 مدينة حول العالم، بما فيها مدن أوروبية وأميركية، والأمر ذاته تقوم به منظمة العفو الدولية عبر مهرجان العفو الدولية السينمائي الدولي. وفي العالم العربي هناك مهرجان كرامة لحقوق الإنسان في الأردن، وكرامة بيروت لحقوق الإنسان، بخلاف مهرجانات في دول عربية أخرى، منها مثلا عروض “ليلة بيضاء” التي تنظمها جمعية اللقاءات المتوسطية ​​للسينما وحقوق الإنسان المغربية، والمهرجان الدولي لحقوق الإنسان في تونس.

تعد مثل هذه المهرجانات نافذة شعبية للجمهور على أفلام حقوق الإنسان، وتكون مصحوبة غالبا بجلسات نقاش مع مخرجي ومنتجي وممثلي هذه الأفلام، مما يزيد من التفاعل مع القضايا التي يطرحها الفيلم. وهي مهرجانات غير نخبوية بالأساس، ولهذا فإنها متحررة من بهرجة واستعراضات المهرجانات السينمائية الشهيرة، ويمكن تحصيل تذاكر دخول أفلامها بأسعار في متناول الجميع. ربما تكون النقطة السلبية الوحيدة فيها أنها لا تملك ميزانيات كبيرة من أجل الترويج والإعلان عنها، ولهذا فإن الحضور غالبا ما يكون من المتابعين أو المهتمين بشكل مسبق بمثل هذه القضايا أو الأفلام.

وهناك مهرجانات لأفلام حقوق الإنسان حاولت المضي قدما لكسر هذا الطوق والخروج لفئات أخرى من الجمهور، مثل المهرجان الدولي لحقوق الإنسان في مدينة جنيف السويسرية. يستهدف هذا المهرجان النخبة من سفراء ودبلوماسيين وصناع قرار بقدر استهدافه الجمهور المحلي والدولي، ولهذا فإنه يقام سنويا في شهر مارس/آذار من كل عام، بالتزامن مع انعقاد الجلسة الرئيسية لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف، كي يوفر منصة موازية لما لا تستوعبه الهيئات الدولية من الحديث الرسمي عن مظالم الشعوب ومعاناتها. واتخذ قرارا بأن تكون نسبة مشاركة الأفلام لمخرجين من دول الجنوب -أي الدول غير الأوروبية والأميركية- من 40% إلى 50%. واللافت أنه يتيح عرض أفلامه عبر الانترنت، وهي فرصة هامة لكل من يريد الاستمتاع بأفلام حقوق الإنسان.

هاني بشر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى