لهذا السبب لم تكن العهدة الخامسة خطأ!
بشير عمري

لا تزال المحاكمة الجارية لبعض رموز الفساد في نظام بوتفليقة تكشف عن جزء ولو ضئيل من حجم الخراب الذي ألقي فيه البلد على مدار ثلاثة عقود، حيث صُعق كل من تابع مثلا محاكمة صاحب شركة سوفاك مراد العلمي، الشاب الذي صار وهو القادم من صفرية المال والأعمال، يبتاع العقار في أرقى مناطقه البورجوازية التاريخية بباريس وأوروبا بعد أن راحت أرقام أرباحه بلا تدبير ولا عمل تتضخم في مقابل تقزم أرقام الخزينة العمومية، وفي هذا السياق والظرف بالتحديد، نقل عن شقيق الرئيس عبد الغني بوتفليقة ما مفاده أن العهدة الخامسة، التي كانت القطرة التي أفاضت الكأس وقلبت البلد رأسا عقب، كانت خطأ كبير من لدن من فكر فيها وفرضها، لكون شيقيه عبد العزيز بوتفليقة لم يكن راغبا مطلقا في ولاية خامسة بعد تدهور حالته الصحية! :

وهنا يكمن السؤال المفيد جدا، وخلافا لما قصده ورام تمريره أو تبريره عبد الغني في محتوى كلامه، هل كان ترشح بوتفليقة لولاية خامسة فعلا خطأ؟

إذا ما عدنا إلى الحقائق الصغيرة الاي صارت تطفو على السطح من واقع مظلم كبير لم تسلط عليه بعد أضواء الاعلام والقضاء بسبب أن ثورة الحراك لم تستكمل مسارها بعد، فالمنطق يقول أن ذلك الترشح لم يكن قط خطأ بل تمت به إصابة كبد الحقيقة، فقط لكونه فجر من الداخل منمظومة من العصابات الناهبة السارقة التي استحلت عرض ومال الجزائيين بشكل غير مسبوق مذ دوى في التاريخ والجغرافيا صوت يحمل إسم الجزائر، فلو لم يكن هذا الترشح “المبارك” لما اشتعل، وسيظل كذلك، فتيل نهاية هذه المنظومة العدمية من ساسة السارقين وسماسرة المارقين.

بيد أن التوقف عند نظام بوتفليقة الذي لم يكن في حقيته سوى رأس الجبل الجليدي، في عملية تحديد الأسباب الموضوعية التي أدت بالبلد إلى هذا الخراب، سيكون خطأ منهجيا لمن يبحث عن جذور وحقيقة هذا الخراب، وأسبابه الموضعية التي أوصلت الأمة ككل إحافة الافلاس والفناء حتى:

وهذا ما يراد للرأي العام وعديد المهتمين تحديدا، لحجب دروب العودة إلى أصول الاشكال المفضي إلى ما نحن غاطسين فيه اليوم من أزمة وهوة سحيقة، إذ يظل الارتجاع إلى ما بعد جلوس بوتفليقة على العرش الجمهوري أكثر من ضروري لفهم بنية المتاهة التي انتهت بنا إلى هذا المنتهى الخطير، لأنه سيكون من السفاهة وبل والسخافة القول بأننا كنا في قلب منطق دولة المؤسسة قبل سنة 1999، وكانت آليات الرقابة تشتغل بشكل طبيعي وفعال إلى أن جاء بوتفليقة ووقع الانحراف!

نعم  “الانحراف” هي أقوى كلمة في سياق التعبير عما حدث في الجزائر لأنها الأكثر دلالة ووصفا لما حصل منذ الاستقلال ولا يزال يحصل كمواجهة عنيدة من الشعب لكل أشكل الهيمنة والغصب بغرض الانعتاق، كان أضخمها بعد ثورة نوفمبر 1954 ثورة أكتوبر 1988 التي أعطت الأمل في القطع مع الماضي (الانحراف) وهنا بدأ المجتمع الجزائري يكتشف نفسه خارج بوتقة الأحادية التي أنسجن فيها، وشرع يبني دولة مؤسساته باراداته وسيادته.

لكن “الانحراف” كخيار ممنهج لمن يرفضون الاعتراف والتنازل عما يعتبرونها مكاسبا حققوها صائفة 62 عاد بقوة السلاح وأحبط التمرد التاريخي للمجتمع وأعاد عقارب الساعة إلى توقيتها الخاطئ الأول.

وبحجة انقاذ الديمقراطية والنظام الجمهوري من الخطر الذي لم يكن الشعب في مستوى الوعي به والتفطن إليه فنابت عنه نخب “الانحراف” تمت عملية المصادرة الثانية للسيادة والتاريخ الوطني، وأدخلت البلاد في حرب أهلية طاحنة سرقت في ظلمتها مقدرات وثروات الشعب كما يُفعل من قبل أمراء الحرب في كل دولة ذات موارد طبيعة مغرية وبلا مؤسسات سياسية وسيادية قوية ونخب حقيقية وعملية، بعد أن يتم الزج بها حرب أهلية؟

من هنا يتضح أن “الانحراف” ليس يصح تحديده تاريخيا بقدوم بوتفليقة على رأس البلد ويجد نفسه بالمرة على رأس أم العصابات التي تأسست بقوة داخل غبش الحرب الأهلية ووسط غبارها الذي دام عشرية كاملة، وعليه يتوجب الحذر من محاولة التركيز في الادانة على فترة حكم بوتفليقة واختصار كل مسارات الانحراف القديم فيها، وهذا من أجل تجريد كما أشرنا في غير ما مناسبة ثورة الحراك من شموليتها في التاريخ والحركة وفق مقولتها الشهير (يتنحاو قاع) التنحية هنا إذا لم تكون لجذور وبذور الانحراف فلن يكون لهاته الثورة من منطق ومعنى ويسظل الوعي الوطني قاصرا في امتدادته يعاني من قهر وأسر قوى رجعية النظام القديم.

فعلي حداد مراد العلمي ومحي الدين طحكوت وغيرهم من يد الفساد المتخفية، ليسوا سوى نتاج لمحطة من سكة الانحراف التي إن لم تضع ثورة الحراك لها نهاية، فسيخرج من قطارها المجنون الذي انطلق سنة 62 أسماء أخرى لا يعرف عنها المجتمع غير كونها قدمت من مناطق الظل وفجأة نجحت في أن تنافس كبار الرساميل والبورجوازيات الغربية القديمة !

بشير عمري

كاتب سياسي جزائري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى