لويزة حنون.. الثائرة التي أخلفت موعدها مع الثورة!

كنا قد خلصنا في المقال السابق إلى أن مهمة الحراك التاريخية هي التأسيس لعهد تعددي ثان شامل يجب ما قبله من سابق التجارب التي أفشلها النظام بعد إذ لقي القابلية والاستعداد للفشل من لدن الفاعل “التعددي” غير الواعي وغير الاخلاقي بقيمة ومسئولية العهد الجديد التي بزغ إذ ذاكفجره مع ثورة أكتوبر 1988، ما يعني أن تقاعدا حتميا بات لزاما على التشكيلات والشخصية الفاشلة أن تأخذه كونها استنفدت كامل قواها وغرض وجودها لثلاث عقود من نشاط حزبي ظهر أنه خدم مصالحها الخاصة وخذل المصلحة العليا للمجتمع والوطن، ولعل ممن باتوا معنيين بهكذا تقاعد سياسي، زعيمة حزب العمال لويزة حنون التي يلخص مسارها النضالي ملحمة كبرى في بدايته ومهانة أكبر في نهايته بعد إذ تم كما جل التشكيلات السياسية فصلها عن الرابط الأهم في النضال الوطني والسياسي وحتى العمالي كما تفضل هي، وهو الشعب .

يسارية تشبعت في ذروة نشاط الفكر الشيوعي وحيوته في العالم الثالث، في سبعينيات القرن الماضي، بمفاهيم الاشتراكية الشاملة المتصلبة وفق الرؤية التروتسكية، والرائدة للحركة العمالية للمجتمع، جزاها النظام الأحادي على ذلك جزاء ووفاقا كما جزائه لكل صوت عارضه في مشروعه الاحتكاري للبلد وسلطته رمزا ومادة، فلا اسلام إلا إسلامه ولا اشتراكية إلا اشتراكيته ولا قطاع خاص إلى خوصصته، إذ سجنت وعذبت ومع ذلك ظلت لبؤة شرسة في الدفاع عن قناعتها إلى أن دقت ساعة الحرية السياسية مع ثورة الشبان في أكتوبر 1988 وخرجت إلى العلن من جحر اليسار كبقية تيارات العمل السري لتعلن عن حزب لعمال الجزائر وفي زمن سيطره عليه الاسلاميون في الشعار والشارع سيطرة شبه كلية غمروا وطمروا به كل التيارات لا سيما اليسار ستتمكن ليوزة حنون من أن تشق لنفسها وسط ذلك العتم متنفس بل وحضور عز على الكثير من التشكيلات والشخصيات في ذلك الزخم الاسلاموي الكبير الذي كان يصنع الحدث سواء داخل البلاد أو خارجها.

والحقيقة أن ذلك الحضور المنظور في المشهد السياسي برغم الزحام والزخم الاسلامي إنما تأتى للويزة عبر استراتيجية ذكية قامت على ما يشبه التحالف غير المباشر أو بالأحرى الاستظلال والاستدلال بالاندفاعية الاسلامية الهوجاء والرعناء في الكثير من الأحيان من تيار المغالبة، واتضح ذلك من دفاعها في الندوة الوطنية للاحزاب والحكومة صائفة سنمة 1991على شيوخ الجبهة (عباسي مدني وعلي بن حاج) اللذان أعتقلا على خلفيات الأحداث التي واكبت الاضراب الذي دعت إليه الجبهة الاسلامية كتمرد على إرادة الحكومة في تنظيم انتخابات برلمانية (جوان 1991) عقب تعديل قانون الانتخابت والتقسيم الدوائر الانتخابية الذي كان سيحرم الجبهة من فوز عريض كالذي حققته قبل عام سبق أي في انتخابات البلدية لعام 1990.

موقف لويزة حنون أكسبها الاحترام الواسع وسط الشارع الاسلامي حتى، وصار من وقتها يُضرب الصفح التام عن خلفيتها الفكرية والأيديولوجية وينتظر الجميع مداخلاتها التي كانت بذات نبرة وقوة تيار المغالبة الاسلامي الذي كان يقوده الشيخ على بن حاج، ومثلما لم يكن يعرف في الفيس أكثر من علي بن حاج وعباسي مدني لم يكن (ولا يزال إلى اليوم) لا يعرف من حزب العمال سوى لويزة حنون حتى تشخصن هذا الحزب فيها وصارت في أعين الناس هي الحزب والحزب هي.

ولكون فترة المخاض التعددي كانت سياسية بامتياز، طبعها صراع السلطة مع طيلعة المعارضة ممثلا في تيار المغالبة الاسلامي، لم يكن ثمة من مجال لنقاشات فكرية وعمالية ونقابية لهذا تميز خطاب اليسار (الحنوني) بالتنديد بصلف السلطة والمناداة الدائمة بضرورة رحيلها في تسواق عجيب وغريب مع مطلب الاسلاميين المغالبين.

ومع بداية عودة الهدوء والاندحار التدريجي للعنف السياسي نهاية تسعينيات القرن الفائت كانت قد ارتسمت ملامح جديدة لمعارضة وديعة، أفرزتها حركة النظام العنيفة التي قمعت تيار المغالبة بالقوة وهمشت الأحزاب الجادة ذات الوزن الجماهيري المحترم، بيد أنها كانت تحتاج (السلطة) إلى خطاب قوي يعطي تابل من توابل المصداقية لارادتها ونيتها في الابقاء على التعددية وديمقراطية الواجهة، ولكون حزب عمال لا يشكل تهديدا لتلكم الارادة لضعف قواعده الشعبية في مقابل قوة خطاب زعيمته وشخصيتها الكاريزمية فقد تركت لويزة حنون تسرح وتصرح كيفما شاءت في منابر الاعلام والسياسة.

ومع قدوم بوتفليقة إلى أعلى هرم السلطة وشروعه في بمخالب القوة الناعمة التي سلكها في لي أعناق ما تبقى من شبه معارضة مثل الجناح الثاني في التيار البربري ونعني به حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، وبعض التشكيلات الاسلامية التي كانت خفيفة في عددها ومخيفة نسبيا في عدتها مثل تشكيلات عبد الله جاب الله المتتالية، كانت لويزة حنون من أبرز الزعماء الذين نجح بوتفليقة في الاستحواذ عليهم وإمالتهم إليه وحشرهم تحت ظله، إذ احاتجها في ديكوره التعددي وهو غير المؤمن بسوى السلطة المركزية الأحادية “الملكية” المطلقة.

ومن وقتها صار الجميع يشعر بفتور الخطاب اليساري الحنوني القوي، لزعيمة حزب العمال، بل أخذ حضورها يقوى في معسكر الحكم أكثر من المعارضة، حتى لأنها انبرت في عديد المرات تدافع عن بوتفليقة وخيارته وحقه في الترشح ولو على كرسي متحرك، وفي هذا السياق تحديدا ما استعصى فهمه على الجميع هو كيف ارتضت لويزة حنون المشاركة كأرنب في كل الاستحقاقت الرئاسية وهي تدرك مسبقا أن الفوز فيها مستحيلا كون الأمر محسوم دوما من طرف سلطة الظل، كما أنها لم تسعى لخلق فضاء تحالفي وهو ما يوضح ويؤكد انشغالها عن المعارضة واشتغالها في ظلال الحكم الذي تحسسه الملاحظون طيلة فترة حكم بوتفليقة، ما جعل شبهات الفساد تطال محيطها الحزبي والعائلي شرست في دفعه عنها والدفاع عن شرف عائلتها من لوثته.

ومؤشر التغير الكبير الذي انتهت إليه لويزة حنون بالنظر إلى مبتدئها الحزبي التعددي الموفق أحد كبير، هو أنها أنفصلت في الخطاب كلية عن قائمة المطالب الأولى من الدمقرطة والقضايا العمالية والحقوق النقابية، في انقلاب جدري للأجندتها النضالية وراحت تجنح أكثر إلى صدامية خطاب الهوية والثوابت واللغة والاسرة وكل ما كان يشتغل عليه النظام لبث الفرقة في المجتمع والمعارضة.

مضت زعيمة حزب العمال على ذلك الشذوذ عن خطابها الأول والأصيل، إلى أن تفجرت ثورة الشعب الحراكية في 22 فيفري التي طالبت من خلال طردها لكل من سعى إلى ركوب الحدث الثوري من الشارع المشتعل بغضب الشباب من كذب الساسة، وكانت لويزة حنون ممن نالهم هذا الغضب والطرد في مشهد مأساوي لثورية لطالما توسم فيها البعض الجدية والمصداقية وحتى الكفاءة الخطابية في لعب دور في حركة تحرير الجزائر من تبعات حقب الانغلاق والانسحاق السياسيين اللذين عاشهما ولا يزال الشعب.

واليوم شأنها شأن كل تيارات الجيل الأول من التعددية، هل  يمكنحقا للويزة حنون وبدرجة أقل حزبها أن تجد لها موطئ قدم وسط إرادة وعي شباني جديد يرفع شعار تغييري شامل فحواه (يتنحاو قاع) وهي التي كانت يوم كان هذا الشعار يدوي في حواري وشوراع الجمهورية تجالس سفهاء النظام (شقيق الرئيس وأزلامه) وبعض آلهة الانقلاب على ارادة الشعب (توفيق) للتباحث حول الوضع وكيفية إيجاد سبل للخروج من الازمة وكأن الثورة كانت أزمة؟ وهي (لويزة) المفترض أن تكون أدرى بما يفرق في اللفظ والدلالة بين الأزمة والثورة حين يحضران أو يغيبان في الشارع، سؤال ليست تصعب الاجابة عنه بالقول، لقد  إنتهت اللعبة وخسر هنالك المبطلون ممن تلاعبوا بمصير الشعب من سلطة تغري ومعارضة تلهث.

بشير عمري

كاتب صحفي   جزائري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى