لويزة حنون تنسف أطروحة مسار “المرافقة لثورة الحراك”!
بشير عمري

 

قبل شهر ونيف عن الاستفتاء حول الدستور الجديد الذي أعدته السلطة من طرف واحد وفق مسار استشاري وليس تأسيسي تشاركي كما طالب به ثوار الحراك الرفضين للأيلولة المفروضة لمسارة الثور، ظهرت لويزة حنون رئيسة حزب العمال وأحدى الشخصيات المقربة جدا من بوتفليقة ونظامه طيلة العشريتين السابقتين، لتفجر المشهد السياسي الصامت بحقائق ظلت مطمورة في ركام الأحداث التي خلفتها ثورة الشعب الحراية منذ اندلعت شتاء 2019 وتحديدا في الـ22 فيفري من ذات السنة أطاحت من خلالها بسلطة بوتفليقة الفاسدة ولكنها لم تمتد بنرين غضبها إلى نظام قديم يفلت دوما من أداة التحييد الشعبي الثوري.

لويزة حنون أكدت في حوار لها مع الصحفي الكبير قاضي إحسان على أمواج إذاعة “راديو آم“ أن الفريق أحمد قايد صالح لم يفعل أكثر من استغلال الحراك الشعبي وثورته من أجل السطو على السلطة وهرم الحكم بالجزائر، باعتباره كان هدفه من وقت أن صار الخلاف يدب حول تركة الرئيس المريض والأسماء التي راحت تتداول لخلافته أبرزها عبد الغني الهامل القائد العام لجهاز الشرطة، والذي كان الخلاف بينه وبن قائد الاركان قد شهد أعلى مستويات سعيره؟ وبذلك تكون لويزة حنون قد وضعت السلطة الحالية موضع “سلطة انقلاب عسكري” بحلة انتخابية تماما كما مضت عليه مسارات ديمقراطية الطوارئ مذ استقلت البلاد.

خرجة الأمينة العام لحزب العمال الأخيرة هاته وتوقيتها وكذا شاكلة التعاطي الاعلامي والسياسي معها يدفع إلى طرح جملة من الاسئلة متعلقة بالمرامي الكامنة وراء مبادرة الكلام في هذا التوقيت، وهي التي كانت قد استنكت عن الكلام مذ تم اطلاق سراحها منذ أشهر وهذا مباشرة بعد موت قائد الاركان السابق أحمد قايد صالح.

من منظور السياق المنقلب لموقف المؤسسة الصلبة (العسكر) عن كل خطها وخططها التي كانت تمضي عليهما في فترة أحمد قايد صالح، يبدو أنه ثمة مقاربة سياسية أخرى داخل هاته المؤسسة لا تزال طور الحسم الداخلي وهو ما يفسر الشلل شبك الكلي للمشهد السياسي وعدم قدرته على الاتضاح على كل المستويات مثلما كان عليه الشأن يوم كانت غرفة انتاج القرار وتوجيه العمل السياسي قوية وحاسمة داخل المؤسسة العسكرية حيث كانت المعارضة والسلطة منخرطة ومتساوقة مع وحي تلك الغرفة.

كما أن حديث لويزة حنون الطاعن في مبدأ المرافقة “العسكرية للثورة الشعبية” الظاهرة السياسية الأغرب في تاريخ الثورات التي أسس لها خطاب سلطة العسكر في أثناء سيطرة الثوار على الساحات للمطالبة بتنحي النظام كله، والذي حاول من خلاله قايد الأركان الأسبق تموقع كطرف ثالث في الصراع (الشعب – نظام بوتفليقة – العسكر) في ساحة المعركة الثورية ومن ثم المضي مع من يحسمها لصالحه في انتظار السطو عليه، من شأنه أن يضعف من سلطة الرئاسة الحالية التي يدرك الجميع أنها تأتت من إرادة قائد الأركان السابق، وكان  قد أشار إلى هذا يومها إثنان من الشخصيات السياسية، واحد دفع ثمنها مباشرة بالاعتقال رغم سنه المتقدم وماضيه الجهادي ضد الاستعمار، ونعني به الأخضر بورقعة الذي تحدث في سلسلة منتديات صحيفة الحوار مؤكدا من خلال مصادره “ أن النظام قد اختار مرشحه” وكان يعني عبد المجيد تبون، هذا الأخير الذي ظهر أياما قليلة بعد ذلك ليعلن عن ترشحه للسباق، ترشح هز علي بن فليس الذي وصفه باستمرار “العهدة الخامسة” ولموقع بن فليس في المسرح السياسي الوطني بوصفه حقوقي ورجل دولة سابق تم فلربما نصح قايد صالح بعدم اعتقاله، لكن تأجل حسابه إلى ليلة الاقتراع حيث أخرج له حسابه فيما غرف بقضية الحساب البنكي الخارجي.

إذا تأكد هذا الطرح، واتضح أن ثمة إيعاز قد أعطي للويزة حنون المعارضة اليسارية الشاذة عن بقية مكون المعارضة الجزائرية، بنزوعها دوما للتقرب إلى دوائر القرار شأنها في هذا المسلك العجيب الغريب شأن حركة حمس التي تحضر دوما بظلها في باحة المعارضة وبجسدها داخل قصر الحكم، فهذا سوف لن يكون له سوى من معنى واحد وهو نسف المخطط القديم لقائد الاركان السابق أحمد قايد صالح وبالتالي ذهاب وشيك لمنظومته كلها ربما قد يكون بعد وضع الدستور الجديد وإعادة بناء المؤسسات على ضوء نصوصه ورسومه.

وأخيرا ما يثير استغراب ودهشة لجميع هو أن تصريح بحجم ما أدلت به لويزة حنون يحمل في طياته نقض لخطاب رسمي التف حول ثورة شعب تاريخية قامت من أجل فرض أفق جديد يقود الدولة والمجتمع إلى الخلاص من أثقال وأحمال الماضي الكابحة لكل حركة تغيير وتجديد، لم يلقى ما يستحقه من إثارة على صعد النقاش والتناول السياسي والاعلامي، ما يؤكد نهاية العمر الافتراضي لجل نخب السياسة والاعلام لمرحلة ما بعد 1992، بكل توجهاتها واتجاهاتها ويؤكد بالمرة أن ثورة الحراك لم تستهدف فقط النظام وسلطته بل أيضا معارضته وأحزابه، ذلك الأن كل نظام يفرز المعارضة التي يستحق كما هو مأثور عن قادة الفكر السياسي في العالم..

 

كاتب سياسي جزائري

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى