ليست صفقة
الياس خوري

أولاً، هذه ليست صفقة: فالصفقة في العُرف التجاري تحتاج إلى اتفاق بين أطراف متنازعة، أما في صفقة ترامب- نتنياهو فلا وجود للطرف الذي تجري الصفقة معه. فالفلسطينيون غائبون ومغيّبون، ليسوا شركاء ولا حتى متفرجين، إنهم في العتمة، وعليهم الموافقة على صفقة ليسوا طرفاً فيها.
في هذه الصفقة التي من المفترض أن تكون ثلاثية: أمريكية-إسرائيلية- فلسطينية، طرفان: الصافق الأمريكي-الإسرائيلي، والمصفوق الفلسطيني.
الثنائي ترامب- نتنياهو يمتلك خبرة خاصة في تلفيق معاني الكلمات، سمّوها صفقة وهي ليست كذلك، إلا إذا اعتبرنا أنها صفقة بين الأمريكان والإسرائيليين، وإذا كان الأمر كذلك، وهو كذلك، فالمسألة لا تحتاج إلى صفقة ومصفّقين. قال الحليفان علناً ما أضمراه سراً، وكشفا أن المفاوضات الطويلة التي أُطلق عليها اسم «مسار السلام»، كانت مساراً للمراوغة وتبديد الوقت ورهاناً على تفكيك الفلسطينيين والعرب، وجعلهم يواجهون أمراً وقع ولم يعد في مقدورهم التقاطه من بين الركام.
لكن من ناحية أخرى، هناك مَنْ يفترض أن كل هذا الضجيج الذي رافق إعلان الصفقة ليس سوى محاولة لإنقاذ رجلين يسعيان إلى البقاء في السلطة. ترامب أرادها من أجل أن تعينه أصوات الإنجيليين الصهاينة في معركة إعادة انتخابه، ونتنياهو يحتاج إليها من أجل الدورة الجديدة من انتخابات الكنيست على أمل أن يبقى ممسكاً بالسلطة.
سواء أكانت الصفقة وضعاً لنقاط الاحتلال على حروف الواقع، أو جزءاً من اللعبة الانتخابية، فإن ما يسمى بـ«صفقة القرن» قد أنهى لعبة الدولتين.
هناك منذ الآن، وبشكل رسمي، دولة واحدة اسمها إسرائيل، أما فلسطين فقد اختفت وجرى تغييبها في معازل.
وسواء كان الفائز في الانتخابات الإسرائيلية هو الليكود أو «أزرق أبيض»، فإن الصافق لن يتنازل ويأخذ اعتراضات المصفوق في الاعتبار، لأن الضفة الغربية بقدسها ومستوطناتها وغور الأردن صارت جزءاً من الدولة العبرية.
ثانياً، لم يُفاجأ أحد: من يدّعي أنه فوجئ كاذب أو غبي أو مزيج منهما.
الأنظمة العربية التي ذهبت إلى تحالف معلن مع إسرائيل كانت تعرف أن شرط هذا الحلف الأسود لمواجهة تمدد النفوذ الإيراني، هو التسليم بكل المطالب الصهيونية التوسعية. بيان اجتماع وزراء الخارجية العرب كان محاولة لإنقاذ وجوه فقدت ماءها.
النظامان الإقليميان المؤثران؛ أي إيران وتركيا، مشغولان بمدّ نفوذهما الإقليمي، وحماية أنظمتهما والتوسع على حساب الجوار العربي. وهما لا يمتلكان القدرة، هذا إذا افترضنا أنهما يمتلكان النيّة، على مواجهة إسرائيل.
روسيا البوتينية معنية بالثمن السوري الذي قبضته من خلال تفاهمات معلنة وغير معلنة مع إسرائيل والولايات المتحدة، وهي تستعد لمدّ نفوذها إلى لبنان.
أما في فلسطين، فإن سلطتي رام الله وغزة، كانتا تعرفان وبدقة أن الضمّ الزاحف حصل، وأن مواجهته تفترض سياسات مختلفة عن سياسات التسلّط والاستبداد والانقسام والفساد والقمع والتنسيق الأمني والتخلي عن الشتات وإلى آخره…
كل المؤشرات: من الجدار، إلى انفلات الوحش الاستيطاني، إلى حصار غزة الدائم والعمليات العسكرية المتتابعة ضدها، إلى مهانة قوى الأمن الفلسطينية أمام جيش الاحتلال، إلى التوسع في الغور، إلى ضم القدس، كانت تصبّ في مكان واحد اسمه الاستيلاء على الأرض وعزل السكان عنها.
لم تكن فلسطين يوماً أرضاً بلا شعب مثلما ادّعى الصهاينة، لكن المشروع الإسرائيلي كان تحويل الفلسطينيين إلى شعب بلا أرض. وما اقتراح ضمّ المثلث إلى المعازل الفلسطينية في صفقة ترامب- نتنياهو، وإخراجه من حدود الدولة الصهيونية سوى تأكيد للمؤكد.
لم يُفاجأ أحد، لكن الجميع فوجئ، هذه هي المفارقة المضحكة المبكية.
ثالثاً، من يتحمّل المسؤولية:
نستطيع أن نملأ مجلدات جديدة بكلام مستعاد عن خيانات الأنظمة العربية. وهو كلام صحيح، لكنه نفد واستُهلك وصار مجرد رطانة لغوية.
لكن لا بأس من التذكير بحقيقة كبرى لا نجرؤ على الجهر بها، فإسرائيل مدينة بوجودها وتوسعها وتجبّرها للأنظمة العربية بمختلف تنويعاتها.
غير أن سؤال المسؤولية الأكبر يقع على عاتق القيادة الفلسطينية.
في الأرض كان كل شيء يشير إلى أن إسرائيل تمارس ما تشدّق به العرب طويلاً، أي أنها كانت تعرف أن لا مكان لدولتين على أرض فلسطين.
وكان اتفاق أوسلو مجرد مناورة سرعان ما انكشفت حدودها. إسرائيل ليست على استعداد للموافقة على التخلي عن ما تسميه «أرض الأجداد» التوراتية، والفلسطينيون كانوا يعرفون ذلك، لكنهم راهنوا على الوقت، وكان ثمن هذا الرهان هو هزيمة الانتفاضة الثانية.
وبعد تغييب عرفات، قدمت قيادة السيد محمود عباس كل شيء. كان انحناء السلطة للإملاءات الأمريكية والإسرائيلية بلا حدود، ولكن «نعم» القيادة الفلسطينية قوبل بـ «لا» إسرائيلية لا مبالية. فاليمين القومي- الديني الذي نجح في الهيمنة على السياسة والمجتمع في إسرائيل لم يكن معنياً بالتسوية، ورفض «استسلام» القيادة الفلسطينية في أوسلو.
إسرائيل رفضت استسلام عدوها لأن هدفها الحقيقي هو إبادته عبر تغييبه.
فالفلسطيني الغائب- الحاضر في القانون الإسرائيلي تحوّل اليوم إلى الفلسطيني الغائب- الغائب فقط.
الإنجاز الوحيد للصفقة هو أنها أعلنت ما كان على القيادات الفلسطينية إعلانه من زمان: سقوط أوسلو وسقوط كل الاتفاقات المرتبطة به.
الالتزام بهذه الاتفاقات سوف يعني شيئاً واحداً هو العمالة والتعاون مع المحتل.
فلسطين كلها من البحر إلى النهر محتلة اليوم.
فكرة فلسطين يجب إعادة صوغها من جديد، إسرائيل الممتدة إلى الضفة والقدس وغيتو غزة هي دولة التمييز العنصري الأبيض ضد الشعب الفلسطيني. والحل هو في إسقاط النظام العنصري وبناء دولة المساواة والعدالة وتأكيد حق العودة.
لقد أعلن ترامب ونتنياهو بداية قرن جديد من الصراع. أرادا إقفال القضية فانفتحت كل الجروح.
المهمة الآن هي حماية فكرة فلسطين، وإعادة تأسيسها.
شعب النكبة صار شعب التراجيديا التاريخية الكبرى. وملحمة حريته ستكون إحدى أعظم ملاحم التاريخ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق