ليفي أصاب وافنيري اخطأ
عمر حلمي الغول

كتب شلومو افنيري مقالا بعنوان “عمى الألوان لدى جدعون ليفي” نشر في صحيفة هآرتس الإسرائيلية اول امس الجمعة الموافق 3/12 الحالي، حاول من خلاله الكاتب الإسرائيلي المخضرم دحض وجهة نظر الكاتب المناصر للسلام، والمنسجم مع رؤيته، والمستند إلى الوقائع والحقائق اكثر من التمنيات، ومتجاوزا التباينات التفصيلية بين قائد إسرائيلي وقائد، ومستندا إلى المحددات السياسية لرؤساء وزراء حكومة دولة الاستعمار الإسرائيلي.
وتوقف مليا الكاتب ونصير السلام أيضا بالمعايير العامة افنيري عند فقرة هامة في مقالة ليفي، فقال “فقد كتب بأنه فيما يتعلق بالاحتلال لا يوجد فرق بين نتنياهو وجميع رؤساء الحكومات الذين شغلوا هذا المنصب قبله او بعده. وقد كرر هذه الاقوال مؤخرا بصورة مؤكدة اكثر من مرة في مقابلة مع نير كونتيز في هآرتس 24/11 الماضي.”
وأضاف افنيري مستشهدا بما قاله ليفي ” بأن الاحتلال هو القضية الأساسية التي ستقرر مصير إسرائيل. واعلن بأن نظرة نتنياهو للاحتلال ” لا تختلف باي شيء عن نظرة شمعون بيرس واسحق رابين المشينة، ابطال السلام”. حسب رأيه لا يوجد فرق بينهم في أنهم جميعا يؤمنون بتخليد الاحتلال. ولا احد منهم يريد انهاءه.”
ساكتفي بما تقدم، ولا اريد اكثر مما ذكره الكاتب المحسوب على مدرسة “اليسار” الصهيوني، معتبرا ان الكاتب جدعون ليفي المتصالح مع ذاته وخياره السياسي جانب الحقيقة، لا بل اعتبره “كاذبا” لإن اسحق رابين دفع حياته ثمنا في الرابع من نوفمبر 1995، ولو استمر في الحكم لكان تم بلوغ حل الدولتين. وهذا غير صحيح، ولا يمت للحقيقة بصلة. لان رابين اعلن بشكل واضح، انه لا يقبل استقلال الفلسطينيين في دولة ذات سيادة على حدود الرابع من حزيران 1967، ويرفض الانسحاب من القدس الشرقية، واكد على ضمها لإسرائيل، وبقاءها موحدة و”عاصمة لإسرائيل”، ورفض عودة اللاجئين، وهو صاحب مقولة إعطاء الفلسطينيين حكم ذاتي واسع نسبيا، ورفض الانسحاب من الاغوار، وهو أيضا وأيضا اول من نكث بالاتفاقيات، عندما قال مقولته الشهيرة “لا تواريخ مقدسة.” فضلا عن انه صاحب سياسة تكسير العظام في الانتفاضة الكبرى 1987 /1993 … إلخ.
وعليه، فإن وجد تباين بين رابين ونتنياهو، فهو تباين نسبي، لا يشكل خروجا عن المنهجية السياسية العامة لدولة الاستعمار الإسرائيلية. واغتياله نتاج صراع الديوك الصهيونية، والتحريض الذي قاده نتنياهو شخصيا وحزبه الليكود وانصار اليمين المتطرف عموما، وليس لانه مؤيدا لخيار حل الدولتين، وان استخدمها اليمين ذريعة للتحريض ضده.
كما ان شمعون بيرس عراب أوسلو في أوساط القيادة الإسرائيلية، لم يكن افضل حالا من رابين، لا العكس صحيح، لان رئيس الوزراء الأسبق كان اكثر اقداما من صاحب كتاب “الشرق الأوسط الجديد”، الذي لم يرَ من السلام الا البعد الاقتصادي، كما انه لم ينفذ ما حملته الاتفاقيات المبرمة مع الفلسطينيين، اضف إلى انه ترك ملف مدينة الخليل وهرب للامام من إعادة الانتشار فيها، ومن نفذ اتفاق “واي ريفر” هو بنيامين نتنياهو، وليس بيرس. وهناك العشرات من الأمثلة التي تدلل على ان رئيس دولة إسرائيل الأسبق، كان الأضعف والمتقلب سياسيا، وهو ان جاز لي التعبير أيضا أبو “القنبلة النووية الإسرائيلية.”
وحتى ايهود أولمرت، رئيس الوزراء الأكثر اقترابا من الحل السياسي وخيار حل الدولتين، والذي دفع ثمنا لذلك باسقاطه من رئاسة الحكومة، ومن ثم اعتقاله على يد نتنياهو أيضا، عندما عرض الخرائط على الرئيس محمود عباس في بيته في القدس الغربية، وحسب اقوال رئيس منظمة التحرير، لم يتمكن من رؤيتها والتدقيق فيها، عرضها امامه وعاد طيها ثانية، ورفض إعطائه نسخة منها. وكأنه كان يلعب الاستغماية مع القيادة الفلسطينية.
في مطلق الأحوال رؤساء الوزراء الإسرائيليين جميعا حتى اللحظة المعاشة كانوا بالنتيجة سواسية في تأبيد الاستعمار، ورفض خيار حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران عام 1967، وجميعهم يخشى مجرد الاقتراب من الملفات الأساسية: القدس، واللاجئين، والحدود، والمستعمرات، والامن، وملف الاسرى، وحالوا دون الربط الطبيعي بين جناحي الوطن. ولم يتقدموا خطوة جدية للامام لتجسير المسافة بينهم وبين القيادة الفلسطينية، كما لم يلتزموا بما نصت عليه اتفاقيات أوسلو وبرتوكول باريس، وكانت باكورة النكث بالتعهدات كما ذكرت انفا، رفض رابين الوفاء بالرزنامة الزمنية لاعادة الانتشار تحت عنوان “لا تواريخ مقدسة.”
اذا موضوعيا ودون مغالاة جدعون ليفي الكاتب الذي تخلى عن الصهيونية، كان اصدق في محاكاة تجربة ونماذج رؤساء الوزراء الإسرائيليين في تعاطيهم المجحف مع خيار السلام. وعلى شلومو افنيري مراجعة ذاكرته ليقترب اكثر من محاكاة ليفي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى