مآسي اليأس المُصنَّع
واسيني الأعرج

مأساة اليأس المصنع هي أنه لا يترك لك اية فرصة لرفع رأسك قليلا ورؤية ما يحيط بك وفتح مساحات جديدة للتفكير خارج عقلية الهزيمة، لقراءة الوضع العربي المأساوي ومحاولة تخطيه. لهذا كثيرا ما يتم التوجه للنخبة لجلدها وكسرها في لحظة تكونها العقلي.

كم من مفكر قتله جاهل أمي. قد يكون الجاهل هو اليد المنفذة، لكن العقل الذي يصنع اليأس والتجهيل شيء آخر. لا يمكن لنهضة أن تقوم إلا بجهود مثقفيها ومحاولاتهم الخروج من الدوائر الخانقة. ظاهرة عربية غريبة تثير الدهشة أحيانا، تتلخص في تحميل المثقف مآسي المجتمعات المهزومة، مع أنها هي من يقيده بهزائمها الثقافية والدينية والحضارية، وتحرمه من حريته ليكون تعبيرا حقيقيا عن مشاغلها الجوهرية ويكون صوتها المعلن، يقول ما تؤمن به في خفوتها. تأتي السلطة لاحقا لتجهز عما تبقى من روح في فكره. سلطة المجتمع المتخلف أكثر قسوة من السلطة على الفنان لأنها تقع خارج النقد، وهي في صلب اليقين، كما تتصور هي على الأقل.

في الأغلب الأعم، الناس لا يقرؤون ويحكمون بصرامة وكأنهم ملاك الحقائق المطلقة، وأحيانا يبنون رفضهم وأحقادهم على ما هو سماعي. لمحو الإشاعة الصغيرة يُجبر المثقف الضحية على الدخول في دوامتها لمحوها عبثا، لأن العقل الشعبي ميال لتصديق ما يشبهه وقريب من ثقافته ومن ضعف وعيه أيضا. تكبر الأكاذيب بسرعة في الوسط الثقافي العربي التي تزكي تخلف مجتمعاتنا للأسف، التي لا تتحرك إلا لتظهر فجيعة المأساة التي تعيشها المجتمعات العربية التي ترمي كل عنصر فعال في دائرة اليأس، والموت البطيء. ليس اليأس العادي ولكن المصنع، أي ذلك الذي تكاتفت حوله قوى عديدة لتحوله إلى قدر يصيب الأفراد كما يصيب المجتمعات.

تتحمل قسطا كبيرا في هذا الوضع، الأنظمة الدكتاتورية العربية المسخرة لخدمة من وضعها في النهاية، والنظام العالمي الجديد الذي يحيط بالعرب ويغرقهم في المزيد من الوحل حتى أصبح من الصعب على أمريكا أن تخفي حقدها ضد العرب وإهانتهم بكل السبل والوسائل. واستفزاز تاريخهم بالموافق على نقل سفارتها إلى القدس والموافقة على ضم الجولان إلى إسرائيل. لا يمكن لهذا النظام أن يقبل أي تحرك عربي إيجابي، لأن تحرك المجتمعات العربية يعني كسر غول الهزيمة التي بدت في الذهنيات وكأنها أبدية وهز التفوق العسكري وكأنه حالة مترسخة في الذهنيات.

لا يقبل مطلقا من العرب أن يرفعوا رؤوسهم والاستراتيجيات الحديثة لا تتلخص في الحروب بين دولة ودولة ولكن بإشعال الفتن في الدولة نفسها من منطلق مشكلاتها الثقافية واللغوية والإثنية والدينية والطائفية، بعد تدمير النسيج الداخلي الذي جمعها عبر قرون متتالية.

لا يمكن للغرب الاستعماري وعلى رأسه إسرائيل، الذي يظهر اليوم مخالبه في ظل غياب أي توازن أممي، أن يقبل بأي تحضر عربي وأي ارتقاء ثقافي وحضاري، ويجب أن تظل صورة العربي المهزوم هي المتسيدة، لأن أي تغيير بنيوي وهيكلي في الذهنيات والاستراتيجيات، سيضع وجودها في خطر كما تتصور؟ كم من أفكار قتلت؟ كم من عالم كانت وراء اغتياله بآلتها الجهنمية؟ أبادت ليس فقط البرامج النووية العربية كلها باغتيال كل العلماء الذين كانوا وراءها، في العراق، ومصر وسوريا، وإيران وغيرها، ولكن أيضا تسليط الفيروسات على كل البرامج التي ترى فيها تهديدا لكياناتها، مثلما حدث تحديدا مع إيران قبل سنوات قليلة، حيث عطلت أجهزتها كلها بعد أن احتاجتها بنية تدمير برامجها أو الكشف عنها.

توغلت إسرائيل وبسند تكنولوجي أمريكي حديث جدا، حتى المكونات الثقافية والدينية العميقة تم استثمارها بشكل سلبي، وجعلت من الدين عدوا لكل تطور بأن خلقت في مخابرها بالمساعدة البريطانية والأمريكية أخطر نموذج لتدمير اللحمة في البلد الواحد والهوية والكيان، وإبقاء العرب في حالة تخلفهم: داعش، وغرس قيم التخلف وإظهار إسلام التنظيم على أساس أنه الإسلام النموذجي. واستثمرت بشكل كامل كل الفجوات الفارغة في العقل العربي المهزوم الذي يصدق كل الخزعبلات. مستقبل أمة عدد الأمية فيها يتجاوز السبعين في المائة لا يمكن إلا أن يكون مهتزا وبائسا. الفيسبوك يسهل الأشياء الجميلة كما يسهل القبح وتعليب الذهنيات وتحضيرها لتكون مهزومة وضد نفسها وتاريخها وثقافتها. وحتى لا نذهب بعيدا، يكفي اليوم أن يصدر شخص حاقد عليك شتيمة كاذبة لتسير في ركبه المئات، بل الآلاف دون تبصر وتحكيم للعقل لأن العقل مغيب أصلا.

في هذا السياق تجد من يقولون إن المثقفين وقصدهم الكتاب طبعا، لم يلعبوا الدور المنوط بهم في مجتمعاتهم. حيث كان عليهم أن يتحركوا بقوة ويناهضوا الأنظمة بشكل معلن. لو قرأوا ما كتبه هؤلاء الكتاب، أو كلفوا أنفسهم بالعودة للنصوص التي كتبت في النصف الأخير من القرن العشرين لاكتشفوا أن الأمر على غير ما يظنون. لقد كانت الرواية مثلا، بوصفها الجنس الأدبي الأكثر اتساعا، سبّاقة إلى ذلك بنقد مخلخل لبنيات الأنظمة المتهالكة. الكثير من الروايات عانت من صعوبات النشر والمنع والحرق أحيانا، فقط لأنها قالت ما كانت الأجهزة ترفضه، ولأن نقدها كان في الصميم.

لنتأمل روايات نجيب محفوظ، عبد الرحمن منيف، الطاهر وطار، حنا مينه، إلياس خوري، مرزاق بقطاش، غادة السمان، كوليت خوري، والجيل الجديد الذي واكب حروب القرن الأخيرة، خالد خليفة، حميد عبد القادر، شكري المبخوت، وأحمد السعدواي وغيرهم، كانت نقدية صارمة، فككت بنيات الأنظمة العربية الرعوية والدكتاتورية وبينت بؤسها العميق، فتعرضت للمنع والمصادرة. لماذا؟ لأنها ذهبت نحو المساحات المظللة من تاريخنا العربي وقالت ما كان ممنوعا، أي ما لا يجب أن يقال بمنطق السلطة الحاكمة.

الأفكار المسبقة تجاه المثقف العربي قاسية. هذا المثقف مخترق بشرطيات قاسية ومدمرة. غير محبوب، لا من الشعب الغارق في دين مصنع، غير الدين الإسلامي الحنيف الذي كان يعطي التوازن لأجدادنا ولكنه دين مسلح. أي لتزكية الحروب الأهلية المدمرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى