مات المخيم وعاش فينا
الصحفي : نبيل سالم

بعداقل من عقد من الزمن و بالتحديد في عام الف وتسعمائة وسبعة وخمسين ، ،ولد مخيم اليرموك، على بقعة لا تزيد كثيراً عن كيلومترين من الارض،فيها بعض اشجار الجوز والزيتون ،وبالقرب منها نهر صغير كانوا يطلقون عليه نهر قليط، وفي هذا المكان المتواضع اسس اللاجئون الفلسطينيون فلسطينهم الصغيرة،فاسموا الحارات الترابية بين بيوته المتواضعة باسماء المدن الفلسطينية،شارع حيفا وشارع يافا وشارع صفد والجاعونة ووجادة سعسع و حارة الفدائية،وحارة المغاربة والغوارنة ،وكذلك اسموا جوامعهم باسماء فلسطينية ،جامع القسطل وجامع عبد القادر الحسيني وغيرهم، واخذت مداسهم ايضا اسماءها من المدن الفلسطينية،واسماء الشهداء الفلسطينيين،مدرسة الكرمل ومدرسة المالكية،ومدرسة كوكب وسخنين والفالوجة وصرفند ،وغيرها وغيرها من الاسماء،ومع الزمن كبرت فلسطين الصغيرة،واختلط اهلها بغيرهم من المدن الاخرى ،وكبر المخيم واكتظ باحلام اطفاله،الذين سرعان ما غادر الكثيرون منهم الى ساحات الحرب ،في الاردن ولبنان وفلسطين وكل مكان قاتلت فيه الثورة الفلسطينية، وغدا المخيم الخزان البشري الاهم للنضال الوطني الفلسطيني، عاش المخيم عشرات السنين من الكفاح ، لكنه رحل عن عمر يناهز الستين عاماً،فاخذ اهله رفاته وهاجروا الى المنافي القسرية،ومنذ ذلك الحين نشر رماد المخيم على طرقات الاغتراب وفوق امواج البحار الهائجة،رحل المخيم وبقي رماد جثته التي يحتفل بها اهله كما يحتفل البوذيون برفات موتاهم ،رحل المخيم وبقيت ذكرياته المخضبة بدماء الشهداء الذين استقروا في ارضه،والممتزجة برماد جثته المحروقة غدراً وعدواناً ،كجثة امه فلسطين التي رحلت قبل سبعة وستين عاما !!!!
وعلى الرغم من موته المؤسف ، الا ان المخيم بقي حياً فينا
ففي ازقته عشنا طفولتنا ،وفي طين شتائه لطالما تزحلقت اقدامنا الصغيرة انذاك ،ونحن في طريقنا مهرولين نحو مدارس الوكالة،يحمل كل منا حقيبة كتبه ، وفي وسطه علق كأسا معدنية،كنا نقول لها كيلة،حيث نشرب بها الحليب الذي يقدموه لنا في المدرسة كل صباح،بعد حبة من زيت السمك كانت توزع علينا لمجرد دخولنا الصفوف،وعندما كبرنا قليلا ، رحنا نتسكع في حاراته، ونعيش مراهقتنا ، بكل ما حملته من تناقضات،فتارة كنا مراهقين حمقى، وتارة ينمو وعينا اكثر من عمرنا بكثير،فللمخيم قوانينه الخاصة في النمو ايضاً، ولطفل المخيم خصوصيته التي لا يعرفها الكثيرون،كنا نتشاجر ، حينا ،ونلعب الكرة حينا آخر، وبين هذا الحين وذاك كنا نشارك في تشييع الشهداء، الذين كانوا يسقطون في الاردن او لبنان او في ساحات الصراع الاخرى مع العدو الصهيوني،وخلال حياتنا في المخيم كونا علاقة روحانية بيننا وبين المكان،فالاشجار الصغيرة التي كنا نزرعها في مدارسنا خلال الاحتفال بعيد الشجرة، هاهي تسمو شاهقة امام اسوار مدارسنا، وعندما كبرنا اكثر كان المخيم بالنسبة لنا مدرسة ثقافية بامتياز،ففيه كل التيارات السياسية والفكرية على اختلافها،كما انه كان المخزون البشري الاهم للثورة الفلسطينية ،
هذا المخيم ، دمر وتهدم ابنيته التي عمرها اهلنا بعرقهم ودمائهم،كما دمر غيره الكثير من مخيمات الشتات الفلسطيني،ذكريات اجيال عدة تحرق الان في شوارع وساحات مخيم اليرموك،هاهم اهلنا في المخيم يحملون ما تبقى لهم من متاع ويتجهون بلا هدى الى اماكن اخرى،فمنهم من قطع البحار الى دروب الهجرة ،ومنهم من نزح الىى الدول المجاورة، ومنهم من لم يجد مكانا يلجأ اليه ففضل البقاء تحت رحمة القصف والموت المجاني، ايها المجرمون الذين زجوا بالمخيم في صراع داخلي سوري،الم تشبعوا من دمنا،ام انه مخطط جديد قديم يهدف الى افراغ المنطقة من العنصر الفلسطيني النقيض الفعلي للكيان الصهيوني،واستغلال الازمة السورية لتمرير هذا المخطط الجهنمي بحق شغبنا الفلسطيني،عائلا ت فلسطينية باكملها غادرت الى المهجر، فمنها من قصد السويد، ومنها من هرب الى استراليا، ومنها من القى بنفسه في البحر في هجرة محفوفة بالمخاطر،اما من بقي من اهلنا فهاهو بين ناري الصراع،في ظل صمت عربي وفلسطيني رسمي مهين ، اليس ما يجري جريمة بكل المقاييس بحق القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى