ماذا دهاك … يازول
السفير ملحم مسعود – اليونان 

عندما طالعتنا الأخبار في فراير الماضي  بلقاء البرهان (الذي فاجا الكثيرين )  مع نتنياهو في عنتيبي وإنتشر الخبر بمثابة بيان وفق ما نشر الحساب الرسمي لمكتب نتنياهو على موقع «تويتر» اجتمع رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان يوم أمس في عنتيبي في يوغندا، برئيس وزراء ( الكيان الصهيوني ) بنيامين نتنياهو في «بدء تعاون يقود نحو تطبيع العلاقات بين البلدين»

في السياق التاريخي، وبعد حرب حزيران/يونيو 1967 التي احتلت خلالها إسرائيل الضفة الغربية والقدس الشرقية وغزة على وجه الخصوص، اجتمع معظم القادة العرب في الخرطوم لتبني “اللاءات الثلاث”:

لا صلح، لا تفاوض، ولا اعتراف بإسرائيل

وعشنا لنرى عاصمة الصمود العربي … يصفها رئيس وزراء فاسد كذاب منافق … ملاحق من قبل القضاء في بلده قائلا … وكانه الإنتصار الكبير سلام مع دولة عربية جديدة : اليوم الخرطوم تقول نعم للسلام مع إسرائيل نعم للاعتراف بإسرائيل ونعم لتطبيع العلاقات مع إسرائيل.. سلام مع دولة عربية جديدة هي الثالثة في غضون الأسابيع الأخيرة … هذه مرحلة جديدة مرحلة السلام الحقيقي..

انه “تحولا عظيما” كسر شعار اللاءات الثلاث

ما تمخضت عنها التطورات  اليوم  برهنت لنا الأيام … أن القادم اكبر واكثر واصعب  …

لا أعني ما آلت إليه الإمور من تطبيع …. قدمها نتنياهو على أنها الإنتصار الكبير لكل  الممارسات الإسرائيلية  ضد شعب فلسطين في وطنه وعلى أرضة الخ .   لكن حجم الماساة العربية وتداعياتها , وبدأ زمان الإنهيار الكبير  للتضامن والتماسك بصيغة السلام العادل التي كانت من اهم التفاهمات العربية حول القضية الفلسطينية  . على مدار القمم   العربية       , والتفاهمات  التي اقرها مؤتمر  القمة العربية في بيروت عام ( 2002)  والتي تميزت بأهمية خاصة، حيث كان من أبرز المسائل على جدول أعمالها , القضية الفلسطينية …

وإقرار مبادرة الأمير عبد الله التي طرحها قبل أسابيع من إنعقاد القمة، وتضمنت إنسحاب إسرائيل من جميع الأراضي العربية المحتلة عام 1967 إلى حدود الرابع من حزيران، وإقامة دولة فلسطين وعاصمتها القدس مقابل قيام دول الجامعة العربية بتطبيع العلاقات مع إسرائيل. وكانت المشكلة قبل إنعقاد القمة هي إعتراض بعض الدول العربية على شرط التطبيع، حيث قدمت عدة إقتراحات منها إقامة علاقات “طيبة” أو إقامة “سلام شامل” بدلاً من التطبيع … ليصبح كل هذا  من الماضي الجميل .

إن الإتصالات السودانية الإسرائيلية بدأت مع النميري إن لم تكن من قبل عام 1984 الذي ساعد في إنجاح عمليات نقل وتهجير آلاف اليهود من إثيوبيا إلى إسرائيل العملية المعروفة بإسم ” موسى ”   لنصل إلى ما نحن عليه اليوم عندما تأكد مورغان أورتاغوس المتحدثة الرسمية بإسم وزارة الخارجية الأمريكية أن رفع إسم السودان من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب , يأتي نتيجة جهود متواصلة وعمل دؤوب بين حكومة السودان والإدارة الأمريكية  طيلة عام ونصف العام ( والله أعلم ) إذ كان الهدف منذ البداية هو مساعدة السودان في طريقها الديموقراطية الجديدة بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع عمر البشير …

في نظرة شاملة وسريعة على تاريخ السودان الحديث لا نجد للحكم المدني والديموقراطي ” مساحات زمنية ”  حيث كان للحكم العسكري معظم هذه السنوات … السطوة والكلمة .

وكما نرى قبيل نيل السودان إستقلاله بقليل , تكونت أول حكومة وطنية  في يوم 9 يناير 1954 وترأسها الزعيم التاريخي إسماعيل الأزهري , الذي كان يوم ذاك ينتمي إلى حزب   ” الأشقاء ” الذي نادى بالوحدة مع مصر , وبالرغم وجود الحكم الثنائي ( البريطاني … المصري ) في السودان تشكلت الحكومة الإنتقالية بسبب أصرار الأحزاب الوطنية على حق السودانيين في تقرير المصير , وتشكيل حكومة وطنية تفاوض بريطانيا ومصر على  الإستقلال التام عن هاتين الدولتين …

التجربة الديمقراطية التي قادت البلاد عبر سياسيين مخضرمين لم تدم طويلاً، قفز إلى السلطة الفريق إبراهيم عبود بانقلاب عسكري سنة 1958 في حقبة الانقلابات العربية من مصر إلى العراق وسوريا. بقي الجنوب الجرح الذي لم تشفه كل المحاولات السياسية. الشارع السوداني كان القوة السياسية التي لا يبطل فعلها العسكريون الذين لا يغيبون إلا ليعودوا بأسماء ورتب مختلفة إلى القفز على السلطة .

(فترة الحكم العسكري الأول برئاسة الفريق أبراهيم عبود التي امتدت قرابة 6 سنوات ويقال أنها كانت أكثر الحكومات العسكرية وطنية  وإستقرارا … ثم جاء حكم النميري 16 ستة و عهد الانقاذ ( البشير ) لأكثر من 30 عاما )

نظام الحكم ومشكلة الجنوب شكّلا الوهن المزمن للكيان السوداني منذ ولادته وعبر مسيرته في درب الزمان الطويل. وصول الإخوان المسلمين إلى الحكم في انقلاب خطط له رجل كل المراحل والأفكار الملونة بطيف إسلامي حسن الترابي( رحمه الله ) ونفذه العميد عمر حسن البشير سنة 1989، شكل فارقاً نقل البلاد إلى مصير مشتعل.

انفصال الجنوب وفرض الشريعة بعد حروب طويلة ، وتوترات ومعارك في إقليم دارفور لم تغب عنها الأنفاس العرقية والتدخلات الأجنبية، وتحولت البلاد إلى عش للإرهاب الإقليمي والدولي. كان هناك أسامة بن لادن والإرهابي العالمي كارلوس، وجاء المتطرفون من كل فج إلى الخرطوم.

طرح حسن الترابي مشروعه (الحضاري) الذي يهدف إلى نشر مفاهيم دينية توسعية في البلاد العربية وأفريقيا. في السنة الماضية أُسقط البشير ونظامه بثورة شعبية دامية، لكن موروث نظام البشير والانقلابات السابقة له تغلغل في مفاصل الكيان السوداني وليس من السهل اقتلاعه بتغيير سياسي في هرم السلطة. لم يغب الدم في كل مراحل الصراع على السلطة في السودان. لقد أعدم جعفر النميري عدداً من العسكريين والمفكرين والسياسيين، على رأسهم هاشم العطا، وأمين الحزب الشيوعي عبد الخالق محجوب، والمفكر محمد محمود طه، وأعدم البشير أيضاً عشرات الضباط بتهمة محاولة الانقلاب على نظامه ..
ترأس الفريق عبد الفتاح البرهان مجلساً للسيادة مختلطاً من المدنيين والعسكريين ليقود بلداً ما زالت حرائق الصراع المسلح تشتعل في الكثير من زواياه، والوهن الاقتصادي والعقوبات الدولية ومطالبة محكمة الجنايات الدولية بتسليمها عدداً من القيادات السابقة، وعلى رأسهم الرئيس المخلوع عمر البشير … بإسثناء فترات متقطعة مارست الأحزاب الحكم في ظلال العسكر ..

هل يستطيع العسكري القادم من رحم مخاض سياسي شعبي أن يقود البلاد ومعه تشكيلة متنوعة من العسكريين والسياسيين في مجلس السيادة  … إلى ما راح عليه .

بالتدقيق في الحالة السودانية نجد أن العسكرية السودانية حاضرة في المشهد السياسي للبلاد وبقوة ، برهانا على ذلك ما راح إليه الزول  برهان بعيدا.

هكذا أتت على كافة التجارب الديمقراطية في البلاد ويعزى ذلك إلى ضعف البنية التكوينية لهذه التجارب كذلك ضعف الخبرة لقياداتها، وهو ما أساء لسمعة الحكومات المنتخبة أمام العامة؛ ما فتح الباب على مصراعيه لتنصيب الجيش السوداني نفسه كحجر زواية لصناعة السياسة في السودان.

ومن العوامل أيضًا التي حالت دون تحقيق حكم سياسي ديمقراطي حقيقي بالسودان ( مشكلة الجنوب ) وهذا ليس موضوعنا اليوم … لكنها أثرت على الحياة السودانية لعقود من الزمن ثم انتهت بالانفصال، فالدخول في حرب أهلية داخل دولة مثل السودان يؤدي إلى ارتفاع الأصوات العسكرية دائمًا على الأصوات المدنية؛ وهو ما انعكس على الحكومات المتعاقبة، حيث اعتقد الجيش دائمًا أنه قادر على حل أزمات البلاد أثناء حالة الحرب هو ما لم يحدث

فلم تكن تجارب السودان الديمقراطية ناجحة بالقدر الكافي، ولم تكن التجارب العسكرية ناجحة أيضًا كمحاولات للتغيير… إذ تم استبدال الحكومة العسكرية بأخرى على مر تاريخ الانقلابات في السودان، ولم يتم حل المشكلة في ظل تناحر سياسي بين الأحزاب المعارضة للنظام؛ ما دعى المراقبون للجزم بأن النظام الديمقراطي في السودان ليس هو المشكلة في ذاته، ولكن ليس هناك مؤسسات تتعامل بهذه الديمقراطية وأنه ليس حلاً بأي حال من الأحوال أن يستدعي أحد المؤسسة العسكرية للحكم إذا ما فشلت الحكومة المدنية المختلفة , إذ إن أخطاء الديمقراطية لا تعالج بالعسكرية، هذا وتظل السودان نموذجًا عربيًا لتدخل المؤسسة العسكرية في الحكم لوأد التجارب الديمقراطية حتى انتهى الحال لتجريف السودان من كفاءته السياسية ولم يعد سوى بعض المتناحرين مع النظام دون إيجاد بديل شعبي للتغيير ..

لذلك نرى المشهد السوداني عسكري بإمتياز . ولهم السطوة والكلمة …

إن الأصوات الوطنية في السودان , إعلام , منظمات واحزاب, وجماعات وغيرها  … تتعالى وترفض التطبيع … وعلى سبيل المثال يقول     د. الشفيع خضر سعيد في مقال له : أعتقد، مبدئيا وسياسيا وأخلاقيا، إن أي تقارب مع إسرائيل يجب ألا يكون على حساب الحق الفلسطيني… وألا نتزحزح قيد أنملة عن قرار الأمم المتحدة، 19/67، الذي اعترف بفلسطين دولة تحت الاحتلال وعاصمتها القدس على حدود 4 يونيو/حزيران 1967، والقرار 194 الذي يكفل للاجئين الفلسطينيين حق العودة إلى ديارهم التي هجّروا منها 1948، وأن نواصل دعم المقاومة الفلسطينية. فالتطبيع مع إسرائيل لا يعني أبدا التنازل عن هذا الموق المبدئي.

من هذه المقدمة السريعة والمختصرة يبقى السؤال الكبير لماذا السودان ؟؟؟

أحاول الإجابة بإجترار ذكريات الدراسة الجامعية ومن خلال البرامج التعليمية المتقدمة   إهتمامي بالشان السوداني , ساعدني في ذلك زملاء الدراسة السودانيين  وعشرتهم  الطيبة ,  كانوا يدرسون  بكثافة واضحة في كلية الزراعة وكلية الطب البيطري … ولا أذكر أن إلتقيت بطالب سوداني واحد في كلية الطب او الهندسة او الكليات الاخرى  … وعرفت لاحقا أنها سياسة مدروسة ومتفق عليها بين الدولة المصرية  والسودانية  لإعطاء الاولوية  لهذه التخصصات الدراسيةالمذكورة للطلبة الوافدين من السودانيين للدراسة الجامعية  وهي التي  في امس الحاجة لها لتطوير الثروة الزراعية والحيوانية في بلدهم .

هكذا ادركت أهمية و إمكانيات البلد الزراعية والحيوانية  … كذلك مياه نهر النيل … توصف السودان بالسلة الغذائية … ومصدر وافر و آمن للأمن الغذائي العربي … وأفريقيا الخ.

“ ابصرت شيئا ورايت عجبا  … ” حين قال مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو على تويتر الأحد : “نتطلع إلى سلام يسوده دفء (في العلاقات) وسنرسل قمحا بقيمة خمسة ملايين دولار… فورا … إلى أصدقائنا الجدد في السودا ا

أسأل …. هل هناك مجاعة في السودان ؟؟؟ .

نحن نتحدث عن بلد عربي مساحته أقل قليلا من 2 مليون كيلومتر مربع …  ( بعد الخصومات… مما طار من مساحات في جنوب السودان ) وتعداد السكان حوالي 43 مليون نسمة و مساحات الاراضي القابلة للزراعة قرابة 200 مليون فدان  , والصالحة للرعي قرابة 180 مليون فدان . ( وللمقارنة فإن مصر اليوم يبلغ تعدادها قرابة 100 مليون نسمة … والأراضي الزراعية اقل من 10 مليون فدان , وتتزايد ببطئ ضمن برامج إصلاحية كثيفة لزيادة الرقعة الزراعية )

إنها … السودان  … والمطامع الإسرائيلية وغيرها معروفة , لم توفر إسرائيل جهدا او وسيلة  (  للتحليق … وتطويق ) هذا البلد من أطرافه الجنوبية , بكل الوسائل وتتحالف مع دول افريقية مختلفة  ضد إستقراره , وتدعم حركات إنفصالية في جنوبه وشماله بكل الوسائل … لإضعافه وعدم إستقراره   طمعا في ثرواته … لا نتحدث على البترول والغاز …ومستقبلها الواعد , ومناجم الذهب التي سطى عليها العسكر … إنما نتحدث عن الثروة الزراعية والحيوانية  … وسوف تتصارع عليها مشاريع التنمية ورؤوس الأموال الصهيونية للإستثمار حال تستقر الأوضاع  … المشاريع التي كم كان يتغنى بها العربفي ( ادبياتهم ) السودانية .

قرأت للكاتب و الباحث الفلسطيني منير ابراهيم أبو شمالة في مقال له في الوطن للأنباء قبل أيام   تحت عنوان  :

أيها السودانيون .. ولكم في موريتانيا وغيرها..عبرة يا أولي الألباب جاء فيها …  “أيها السودانيون أنتم شعب واعي ومثقف جيدا ولديكم من الخيرات في بلادكم لا توجد في مكان آخر … إذاأحسنتم إستخدامها  سوف ينطلق أقتصادكم ويقلع ،وبمواردكم التي حباها الله لكم ، تمكنكم من جعل السودان دولة عظمى أقتصاديا ..لديكم الأرض الخصبة والمياه والمعادن والذهب والثروة الحيوانية العملاقة ..هولندا لديها 1.7 مليون بقرة فقط وتصدر لكل العالم أجبان ومشتقات الحليب واللحوم وكذلك الدانمارك لديهم 550 ألف بقرة فقط ..، أنتم لديكم 50 مليون بقرة !!!! أبحثوا عن مكامن الخلل لديكم وليس في الخارج …وصوبوا أموركم ، ولا تلتفتوا للمحاصرين والشياطين ..أنهم سوف يطلبون ودكم عندما تقلعون .وكم من دولة تحت حصار هؤلاء الشياطين منذ عشرات السنين  ؟ وقد أعتمدوا على أنفسهم وأفشلوا كل أهداف محاصريهم … وهكذا بالتأكيد سوف تفرضون سياستكم وأستقلالكم على القوي قبل الضعيف ،ولن يحتاج منكم الأمر أن تخرجوا من قوميتكم ودينكم وملتكم …ولن تسقطوا مجتمعكم المتماسك المحافظ على تقاليده  الأصيلة ، في مستنقع الخبثاء الهادفين لتدميركم .. ولكم واسع النظر”.

أخيرا … عودة إلى الوطن :

نحن ما زلنا اسرى التصريحات والبيانات … السفير يصرح , ومعالي الوزير يرقع … وعضو اللجنة المركزية ُينظر … والناطق الرسمي للرئاسة يستنكر … ويتوعد .. هل إنحسر العقل الفلسطيني .

أن تتلهى قياداتت شعب … بالمناكفات والنكايات … مسالة غير مطمئنة .

نحن نريد امام هذا التحدي الكبير في إنتظار وحدة الصفوف التي طالت … نريد ان تكون لنا مرجعية واضحة للتصريحات … والإدلاء بالمواقف الرسمية ( المدروسة ) تلتزم بها قيادات … وشبه قيادات ووزارات ومدراء وسفارات . وكفانا ما سمعناه من سهى الطويل … حينما تطاولت … وتوعدت … من على القنوات الإسرائيلية  .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى