ماذا في لبنان بعد ملف ترسيم الحدود؟
باسل. ف. صالح

جهدَت قوى السلطة اللبنانية على تصوير خطوة توقيع ملف ترسيم الحدود البحرية مع العدو الإسرائيلي وكأنه انتصار حققته بكثير من الحكمة والثبات والتكتيك والاستراتيجية. وكأنها أنهت ما كان مستحيلًا على اللبنانيين تحقيقه في فترة قياسية، وعلى قدر مساوٍ لكمية المكتسبات التي نالها لبنان وشعبه. فعلى الرغم من الإشكالات الهائلة التي ارتبطت بهذا الملف، إن لناحية إخفاء التفاصيل التي وافق رؤساء الجمهورية والبرلمان والحكومة عليها، ويكمن الشيطان فيها، أو لناحية إنكار القوى الحاكمة اعترافها العلني بالعدو، وبدولته، وبحدوده، وبهيمنته على الأراضي الفلسطينية المحتلة وتشريع تمتعه بخيراتها ومواردها، سيما اعتراف حلف الممانعة، خصوصًا حزب الله الذي جهد في محاولات التنصّل من المسؤولية بالوقوف خلف الدولة اللبنانية المزعومة التي يهيمن هو نفسه على كل تفاصيلها ومؤسساتها، وأجهزتها، ونقاط القوة والضعف فيها.

إلا أن البحث في أمر الترسيم، وفي الثروات المفترض وجودها في قعر البحر، وفي مقدمها الغاز، انطلاقًا من شرط البنية السياسية الاجتماعية والدولتية اللبنانية الداخلية السائدة، هو المعيار الحاسم لمعرفة ما إذا كان لهذا الترسيم أي مردود يُذكر للشعب اللبناني. وإن كان هناك أي دور فعّال ومحوري يمكن أن يؤدّيه الغاز الكامن في قعر البحر، فيحوّل لبنان من شكل إلى شكل آخر مختلف تمامًا عمّا شاهدناه منذ انتهاء الحرب الأهلية وخلال العقود الثلاثة الماضية.

ندخل هنا في تكثيف المشكلة، انطلاقًا من حقيقة أن الأزمة التي تضرب عميقًا في لبنان ليست في موارد الدولة، ولا في الافتقار إلى المشاريع والدراسات والمواد الأولية، ولا في الافتقار إلى الكفاءات والخبرات، وليست في ندرة وجود الخيرات الطبيعية التي يمكن أن يستفيد لبنان وشعبه منها، فوفرة المياه، وكثرة الينابيع والأنهر، بالإضافة إلى طول الخط الساحلي، أسلحة أكثر فعالية من الغاز في منطق العقل الاستراتيجي، وهي الأكثر أهمية للاستثمار في السنوات الحالية والمستقبلية مع الانزياح المستمر للعالم نحو التصحّر. ومع ذلك، لا يمكننا حصر أخطاء الدولة اللبنانية وفشلها في التعامل مع هذه الكنوز، والاستفادة منها، وذلك بعد إمعان النظر بسياسة السدود العشوائية ونتائجها الكارثية التي لم تقدّم أي نتيجة ملموسة بقدر تحقيقها تقهقرات لانهائية.

هذا يعني أن المشكلة، بمجملها، ترتبط بوجود طبقة حاكمة، لا كفاءة لها إلا في المصلحية، والأنانية، وقلة الأمانة، واللصوصية، والفردانية، والعشوائية التي تضرب عميقًا في سلوكها وممارستها، فهي تستطيع ابتلاع ليس الغاز الموجود قبالة السواحل اللبنانية فحسب، بل ذلك الموجود في المساحات التي تخلت عنها أيضًا. حتى أنه يمكن الجزم، بعد تجارب كثيرة، أن بإمكان هذه الطبقة شفط كل حقول الغاز الممتدة أمام شواطئ دول البحر المتوسط قاطبةً، وفي قعره، من دون أن يظهر أي أثر أو ترجمة فعلية له على مستوى ازدهار الوضع اللبناني.

من هذا المنطلق، ليس الوضع بحاجة لشرحٍ كثير يُظهر عدم جدوى الآمال الشعبية اللبنانية المعقودة على الغاز، سيما وأن كل المخارج والمبادرات الدولية تنطلق من أمر واقع يتمحور حول الطبقة الحاكمة نفسها التي أوصلت البلد إلى ما وصل إليه، وبالتالي، إعادة انتاجها. كما أن من غير المجدي عقد الآمال على من استباح الدولة ونهبها بافتراض أية صحوة جديدة لضميره، لأن سيناريو كهذا لا يخرج عن كونه فكر رغبوي بعيد عن الواقع بقدر اقترابه من الروايات الخرافية لقصص ما قبل النوم الخاصة بالأطفال.

ليس الغاز المفترض وجوده قبالة السواحل اللبنانية حلًا ما دام الاهتراء يهيمن على كل تفاصيل جسد الدولة اللبنانية، وذلك انطلاقًا من معادلة مقنعة وضعها المفكر السوري ياسين الحافظ في السابق، حين اعتبر أن سلاح النفط “قد يكسبنا معركة بدون استحقاق، بدون جدارة، بدون عظمة”، وأن استخدامه بمثابة النجاح في الامتحانات بالغش، لأنه “لنا لكنه ليس شيئًا منا”، فالغاز بمثابة “نقّالة مرضى… تجر جسدًا مثخنًا واهنًا إلى حيث يزعم أنه انتصر… لكنه انتصار جاء به جوف الأرض”.

وإذا ما أخذنا كلام الحافظ وترجمناه في الواقع اللبناني اليوم، وصلنا إلى نتيجة مفادها بأن الغاز لا يشكّل انتصارًا صنعه اللبنانيون وسيكون له الأثر الكبير على سلوكهم وتجربتهم التاريخية، ولن يكون لهم أية كلمة فيه ولا مجهود معه، ولا صنعته قدرتهم الفائقة على اتخاذ القرارات عن أنفسهم والتفكير في كيفية إيجاد الحلول الخلّاقة والبحث عن المخارج من الكارثة والانهيار الذي يعيشونه. .. كان الحافظ متنبّهًا إلى أن هذا النوع من الأسلحة يصب تلقائيًا في صالح البنية المهترئة للدولة، وعند الطبقات السياسية الشخصانية الحاكمة. وها نحن نعيد التجربة في لبنان لنؤكّد هذا الكلام. إذ لم تتوان السلطة عن إعلان أنها ستستخدم الغاز بهدف سداد الديْن العام، أي استخدامه للتغطية على نتائج النهب المستمر للدولة. وبالتالي، تغذية البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المهترئة والفاسدة، التي أوجدتها بهدف المحافظة على كل شروط سيطرتها بإعادة إنتاج المرض والانهيار المهيمنين، والاكتفاء بتغطية كل شيء بقشرة علاج. فالغاز، إن وجد، أداة بحاجة لذهنية تستطيع استغلاله بما يمكن أن يكون مناسبًا في هذا الزمان وهذا المكان، وهو ما لا يعكس واقع الحال في لبنان.

في المحصلة، ليس غريبًا القول إن هذا النوع من الخيرات لا يكفي ذاته بذاته، لا ينتج شروط وإمكانات استثماره المجدي، بل هو بحاجة إلى ذهنية تحرّره وتتحرّر من خلاله، وهذا يستحيل أن يجد ترجمته إلا بالاستثمار الناجح داخليًا وخارجيًا، وذلك عبر إطلاق خطة مشاريع إنتاجية تعمل على إعادة بلورة الاقتصاد بعيدًا عن قطاع الخدمات الذي يتأثر بالأزمات السياسية، فلبنان بحاجة إلى ذهنية جديدة تديره، إلى طبقة بفكر متحرّر وتحرّري تعمل على البحث عن الاستثمارات المنتجة على مستوى البشر والحجر على حدٍ سواء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى