ماذا وراء غياب واشنطن عن الأزمة الليبية

مع ازدياد التدخلات الخارجية في الأزمة الليبية، والتي أخذت شكلا أكثر وضوحا عقب الاتفاق التركي الليبي الأخير، فإن دور واشنطن من هذه الأزمة بقي محل تساؤلات وشكوك،

ويرى الكاتب والمحلل السياسي، جمال عبد المطلب، أن تراجع الدور الأمريكي في ليبيا لم يكن وليد اللحظة، بل تذبذب على مدار السنوات الثماني السابقة منذ اندلاع الأزمة الليبية عام 2011.

يقول المحلل السياسي عبد المطلب: “في بداية 2011 كان الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، يتبع إستراتيجية التقليل من التدخلات العسكرية المباشرة في الدول، إلا عند الضرورة القصوى عندما يُمس أمن واشنطن كمحاربتها لتنظيم الدولة”.

ويضيف: “مع خروج الشعب الليبي على القذافي كان التقييم الأمريكي للأمر منقسم إلى رأيين: رأي تقوده الخارجية الأمريكية بأن ليبيا تستحق الوقوف معها وتعتبر القذافي مشكلة وأوغل في دماء المدنيين، ورأي يقوده البنتاغون والسي آي إيه كان يرى بأن ليبيا منطقة تواجد للإسلاميين ومقاتلي القاعدة، وبالتالي كان بالنسبة لهم القذافي أهون الضررين ويمكن ترويضه”.

وتابع قائلا: “حسم أوباما أمره وأخذ برأي الخارجية الأمريكية ودخل في المعركة، لكنه عمل حلا وسطا بالاتفاق مع الأوروبيين لتكون أمريكا داعم خلفي لهذا التدخل، ولكي لا تدفع نصيب الأسد، وأقنع أوباما الأوروبيين بأهمية ليبيا وأنها منطقة نفوذ لهم”.

وبعد نجاح الثورة دخلت ليبيا في مرحلة الفوضى الأمنية والتدخلات الإقليمية، وحصلت الكارثة الأمريكية بمقتل السفير الأمريكي، كريس ستيفنز، في أيلول/سبتمبر 2012، وبعد إلقائهم القبض على عدة أشخاص متصلين بالحادثة، وعلى غير العادة أخذوا قرارا “دعهم يتقاتلون ونحن ننتظر حتى يُفني بعضهم بعض”،

ويتابع: “مع مجيء ترامب وبمنطقه تجاري، أخذ قرارا بعدم التدخل في الشأن الليبي كون مشكلة ليبيا لا تؤثر عليه، وهو غير محتاج للنفط الليبي الذي يحصل عليه من مناطق أخرى، فترك ليبيا لنفسها ولأوروبا، وبهذا أصبح الملف الليبي ليس من أولويات الإدارة الأمريكية الحالية”.

واستدرك بالقول: “كان الأمريكان يظنون أن النزاع لن يطول أمده، وهو ما لم يحدث على أرض الواقع، ورأى المستشارون بواشنطن أن ترك ليبيا على هذا النحو يؤهلها لتصبح بؤرة من بؤر الإرهاب، كونها منطقة واسعة وبها فراغ ومال وممكن أن يستحوذ عليها تنظيم الدولة، فتدخلوا مع “البنيان المرصوص” وقاتلوا مع قوات الوفاق ومصراتة بالضربات الجوية وبالمعلومات، وبعدها تراجعوا مرة أخرى وتركوا الأمر للأوروبيين”.

ويضيف: “لكن تدخل  الروس ولد خشية لدى الأمريكيين من استفادة الشركات الروسية من مرحلة الاعمار وإعادة بناء ليبيا، وهناك تحذيرات من خبراء أمريكان لتتحرك واشنطن من جديد، فتحركت لكنها تحركت على استحياء”.

ويعتقد بأن أهم سبب يفسر طبيعة التحرك الأمريكي من الأزمة الحالية هو “أن ترامب منشغل بقضية العزل، والرئيس الأمريكي معني في هذه الآونة بإنقاذ مجده الشخصي، ويريد أن ينجح من جديد برئاسة أمريكا، فأهمل الملف الليبي من جديد”.

ويعتقد بأنه “بعد تمكن الأمريكان من تسديد ضربة قوية لتنظيم الدولة فإنهم لا يرون بأن ليبيا ملفا مستعجلا ويشكل خطرا عليهم،

ونوه إلى أن “السيسي يحاول أن يستنهض استفزاز ترامب لكي يمنع تركيا من دعم حكومة الوفاق، لكن ليبيا ليست من أولويات ترامب الآن”.

احتمالات التغير

ويرى عبد المطلب أن “الموقف الأمريكي يمكن أن يتغير قبل الانتخابات الرئاسية 2020، فترامب صعب المزاج، وهناك استدراك لأن لديهم دراسات تقول أن تركيا تحاول النهوض وقيادة الأمة الإسلامية وتريد لعب دورها التاريخي”.

ويتابع “الجميع يراقب تركيا، وهناك تحالف صهيوني إماراتي مصري لإيقاف النفوذ التركي ولإدخالها في أفخاخ ومستنقعات”.

ومن بين السيناريوهات التي يراها عبد المطلب فإن “الأمريكان ربما يغضون الطرف عن تركيا لكي تتدخل وتعاقب حفتر على إدخال الروس، وبعد تدخل تركيا يمكنهم فرض عقوبات عليها”.

ويكمل: “من المحتمل أن يستمر الأمريكان في  سياسة اللامبالاة” وفقا للسيناريو الثاني الذي يطرحه المحلل السياسي.

والاحتمال الثالث هو “أن يسمحوا لتركيا بالتدخل ما يساهم في تكثير الروس والإمارات والمصريين، ثم يتطلب الوضع تدخل واشنطن  ليستفيدوا مع الشركات الأوروبية في مسألة المشاريع باعتبار أن لديهم علاقة تاريخية نفطية مع ليبيا، فهم الذين استخرجوا النفط الليبي بالتعاون مع الإنجليز في البداية”.

الانحياز لمن؟

وعند سؤاله عن أي الأطراف الليبية التي تحظى بدعم واشنطن، أجاب عبد المطلب: “الظاهر أنهم يعترفون بحكومة الوفاق ويعتبرونها هي الأقرب إلى مدنية الدولة والديمقراطية وأبلت بلاء حسنا في محاربة تنظيم الدولة، فيما جماعة حفتر في نظرهم يمارسون الفوضى”

واستدرك: “أما وفقا لنظرية كونداليزا رايس فإن هذه المناطق ينفع معها الفوضى ولا ينفع معها الحضارة، ولهذا لم يقطعوا التواصل مع حفتر، فهم يمسكون العصا من الوسط لكنهم أقرب إلى حكومة السراج”.

ومن وجهة نظره، يرى أستاذ القانون الدولي، سامي الأطرش، أن واشنطن ” تقامر على وصول العسكر إلى الحكم، وسيكون لديها شخص يمثل مصالحها، بدلا من أن يكون تعاطيها مع دولة مدنية ديمقراطية، وبالتالي سيكون اللاعبون أكثر مما لو تعاملت مع شخصية واحدة أسوة بما هو في مصر”.

ويؤكد على أن “الواقع الديكتاتوري يريح الولايات المتحدة أكثر بكثير مما لو دخلت في صراع من أجل الدفع بالدولة الديمقراطية أو المدنية إلى حيز الوجود”.

ويشير إلى أن الموقف الأمريكي المباشر المتراجع من ليبيا يعود إلى أن “مصالحها الاقتصادية مضمونة ومستقرة”.

ويعتقد بأن الولايات المتحدة هي “لاعب حتى لو بالصمت غير الواضح في الأزمة، وصمتها يعني إعطاء علامات لبعض القوى بأن تتدخل في ليبيا”.

ويوضح: “لا تستطيع تركيا أن يكون لها دور كبير في الشرق الأوسط وفي ليبيا إلا من خلال عملية الوئام مع السياسة الأمريكية، فهناك غطاء من واشنطن على التدخل التركي وتوسعه في ليبيا”.

ويرجح بأن “تركيا ستقوم بأعمال ستصب في النهاية في مصلحة المعسكر الغربي بشكل إجمالي والولايات المتحدة بشكل خاص، لأن تركيا حليف في الناتو وهي دولة مرتبطة بالاقتصاد الغربي ارتباطا وثيقا”.

ويختتم بالقول: “تركيا ستقوم بدور إعادة التوازن في المنطقة وهي ما يرغب به صناع القرار في الولايات المتحدة، دون تدخلهم المباشر كما حدث في 2011”.

“عربي21”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى