ماراثون الانتخابات الليبية
جبريل العبيدي

منذ انطلاق صافرة سباق الانتخابات الليبية، والجدل قائم والطعون متوالية أمام المحاكم بين الخصوم السياسيين، ولكن القضاء الليبي نأى بنفسه عن أن يكون طرفاً سياسياً، بل تعامل بمهنية مع كافة الطعون، سواء التي طالت رئيس الحكومة أو تلك التي طالت خصومه مثل القذافي الابن سيف الإسلام أو قائد الجيش المشير حفتر.
بعودة كافة المستبعدين من قائمة سباق الرئاسة، بعد قبول طعونهم أمام القضاء الليبي، ونحر الجمال فرحة من قبل بعضهم، أصبحت كافة الأطراف السياسية الليبية ممثلة في الانتخابات من دون إقصاء، مما سيمهد لسلاسة العملية الانتخابية وإبعاد شبح المقاطعة والعرقلة لها، كون الجميع أصبح ممثلاً فيها، والاحتكام الآن للصندوق الانتخابي وليس لصناديق الذخيرة والرصاص.
القذافي الابن والمشير حفتر والدبيبة أبرز المترشحين لرئاسة ليبيا، وإن كان الدبيبة (رئيس الحكومة الحالية) يتهم من قبل خصومه «بتوظيفه» موارد الدولة المالية للدعاية الانتخابية، خاصةً بعد منح قروض زواج للشباب ورفع مرتبات قطاع كبير من موظفي الدولة قبيل الترشح للانتخابات.
غياب الثقة بين الأطراف جميعها هو المغذي الحقيقي للأزمة، والتصعيد ضد القوانين والاشتراطات للترشح، والتشدد حيال انطباق الشروط من عدمها تجاه المترشحين، خاصةً المادة 12 التي نصت على توقف المترشح عن مهام عمله قبل التقدم للترشح بثلاثة أشهر الأمر الذي لم يفعله المترشح الدبيبة (رئيس الحكومة الحالي) والذي استمر في عمله، مما أثار حالة من الغضب والطعون أمام المحاكم، وإن كان (الدبيبة) استطاع الخروج من مأزق المادة 12 بنص مادة أخرى في القانون ينص على اعتبار الحكومة «مستقيلة» بمجرد سحب الثقة منها، الأمر الذي كان «رب ضارة نافعة».
ولكن رغم الجدل والشخصيات الجدلية إلا أن القائمة تضم شخصيات أخرى قد تكون هي مفتاح الحل مقابل الشخصيات الجدلية، فالقائمة تضم المستشار عقيلة صالح رئيس البرلمان وهو شخصية توافقية من الممكن القبول بها من أغلب الأطراف، وكذلك وزير التعليم الأسبق الدكتور الشريف وهو شخصية تكنوقراطية بالدرجة الأولى، رغم أنه محسوب زمنياً على نظام القذافي لتوليه وزارة التعليم وجمعية الدعوة الإسلامية في عهد القذافي لسنوات طويلة، ولكن الرجل كان محسوباً على رجال الدولة وليس رجال الخيمة (القذافية).
رغم التمثيل العادل للجميع إلا أن المخاوف والهواجس ستبقى تراود البعض، خاصةً في ظل محاولات العرقلة والمجاهرة بالتهديد بعرقلة عمل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، مما انعكس في هجوم على خمسة مراكز انتخابية وتدمير وإتلاف محتوياتها وسرقة الآلاف من البطاقات الانتخابية، بعد ساعات من تصريح لوزير الداخلية بعجز وزارته عن تأمين الانتخابات، مما طرح جدلاً وتساؤلات كثيرة حول هذا التصريح، ومدى ارتباطه باستبعاد رئيس حكومته من السباق الرئاسي قبل إعادته بحكم محكمة.
رغم ضبابية المشهد وكبر عدد المتنافسين، مما يجعل التكهن بالفائز شبه مستحيل خاصةً من الجولة الأولى إلا أن المهنية التي تميزت بها المفوضية الوطنية العليا للانتخابات حتى الآن والحياد التام الذي التزمه القضاء الليبي بالتعاطي مع الطعون، يبشران بخير وأن مؤسسات الدولة الليبية لا تزال بخير رغم الظروف.
محاولات التأجيل وعرقلة الانتخابات، المستفيد الأوحد منها هي الحكومة الحالية المعينة من فريق «اختارته» الأمم المتحدة، وكما جاء في صحيفة الغارديان البريطانية «أن هناك دلائل على أن الحكومة الحالية، تسعى للبقاء في السلطة إلى أجل غير مسمى مستفيدة من تأجيل الانتخابات إذا حدثت».
رغم كبر حجم وعدد المترشحين للرئاسة في ليبيا، إلا أنه لا أحد منهم تقدم بمشروعه الانتخابي وخطته لإنقاذ البلاد، الأمر الذي يجعل من السباق الرئاسي مجرد ماراثون تنقطع فيه الأنفاس لهثاً وراء شخوص لا نعرف ما هي برامجهم الانتخابية.

نقلاً عن “الشرق الأوسط”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى