ما الذي تريده إسرائيل؟
إميل أمين

وقت كتابة هذه السطور كانت قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي قد قامت  بنحو 130 غارة  على قطاع غزة، سقط فيها العشرات من القتلى من بينهم أطفال، ناهيك عن الجرحى، ووقت ظهور الكلمات للنور حكما سيكون العدد قد ارتفع في ظل هذا القصف الوحشي.

السؤال المفتتح: “ما الذي تريده إسرائيل؟

باختصار غير مخل إنها تسعى إلى  كسر الإرادة لدى الشعب الفلسطيني أولا ولدى الشعوب العربية من ورائها ثانية، وهذا  ما فشلت  وتفشل فيه أول الأمر وآخره.

جاءت الهبّة الفلسطينية الأخيرة بسبب سياسات التهويد الإسرائيلية المستمرة والمستقرة، وقد كان آخر معالمها وملامحها، الهجمة غير الشرعية على حي الشيخ جراح في القدس، ومحاولة طرد سكانه عنوة من منازلهم.

تبدو القوانين الإسرائيلية التي تفرّغ القدس من سكانها  الأصليين عنصرية إلى أبعد حد ومد، الأمر الذي جعل الأمم المتحدة  تصف ما يحدث هناك بأنه جريمة حرب، لا سيما  أن إسرائيل هي قوة احتلال، وعليه فينبغي لها ألا تغير الطبيعة الجغرافية أو الديموغرافية للمدن التي تحتلها، لكن حكومات إسرائيل المتعاقبة لا ترد على  أحد.

قبل نحو يومين كتب رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو عبر تويتر يقول: “إن الرأي العام العربي، هو الذي لا يزال يرفض دولة إسرائيل، وليس الأنظمة الحاكمة”.

نعم بالصواب تحدث نتنياهو، إذ كيف للشارع العربي أن يقبل مثل هذا الغي الإسرائيلي السادر، في تعامله مع أصحاب الأرض الأصليين من المقدسيين.

عدة نقاط تكشفها الأحداث الأخيرة، وفي المقدمة منها  أن دولة إسرائيل في محنة حقيقية، ذلك أن قناعتها بأن إشكالياتها  يمكن أن تحل عن طريق الهروب إلى الأمام وتصعيد الصراعات  سواء في الداخل أو الخارج لا يفيدها في حل مشاكلها.

يبدو واضحا جدا  أن نتنياهو بنوع خاص هو المستفيد الأول من المواجهات الأخيرة، وذلك لتوجيه الأنظار بعيدا عن أخطائه بل خطاياه السياسية وانتكاساته الحزبية الداخلية، وعدم قدرته على تشكيل حكومة وحدة، ومن هنا يبدو أنه فضل الخيار الشمشوني التقليدي وقت الأزمات الجسام، “علي وعلى أعدائي”.

من النقاط التي كشفت عنها المواجهات الأخيرة في القدس المحتلة وبقية الأراضي الفلسطينية، رغبة إسرائيل الدائمة في قضم المزيد من الأراضي التي يمتلكها المقدسيون وسواهم من الفلسطينيين، لصالح المستوطنين  الجدد، أو بالأحرى قل المستعمرين الجدد، وقد كشفت عدسات التلفزة الدولية قدر الكراهية التي يحملونها  للفلسطينيين بمسلميهم ومسيحييهم.

أظهرت الأحداث عينها قدر الامتهان الذي تتعرض له المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس المحتلة بنوع خاص، فقبل أحداث الأقصى، ونهار سبت  النور، ذاك الذي يسبق يوم أحد الفصح المجيد،  قطع جنود الاحتلال الطريق إلى كنيسة القيامة، وامتهنوا  المصلين الساعين إليها، وعرضوهم إلى نوع من المذلة التي لا تقبل.

تاليا رأى العالم بأم عينه ما جرى  في المسجد الأقصى، وفي شهر رمضان، ووصل المشهد حد إراقة الدماء في باحاته، ولولا حمية وحماس المرابطين هناك لتمادت قوات الاحتلال في التعرض للمصلين.

تبدو إسرائيل ماضية قدما في مشروعاتها  العنصرية لتهويد المدينة المقدسة مرة وإلى  الأبد، وما تقوم به من أعمال حفر تحت  الأرض لا يغيب عن ناظري المقدسيين، وهم يدركون أن هدف جماعات يمينية متطرفة مثل: “أنصار جبل الهيكل”، هو إلحاق  الضر بالأقصى، ويتمترسون وراء قصة بناء الهيكل الثالث.

كارثة إسرائيل الحقيقية في هذه الأيام والتي تمثل الخطر الأكبر على الدولة العبرية، بأكثر من صواريخ المقاومة الفلسطينية، تتضح من خلال متابعة موجة اليمين الإسرائيلي المتنامية بشكل مريع،  وفي القلب من تلك التيارات نجد من يرفض العيش في إسرائيل ذات البعد العلماني أو المدني،  ومن يطالب بالعودة إلى قوانين سفر تثنية الاشتراع، أي استعلان الدولة  الدينية، واعتبار أن من يتخذون القوانين الوضعية أعداء لهم، بل أعداء للناموس الإسرائيلي، وهذه كارثة فالدول تنهار من داخلها، والحضارات الكبرى  تموت عادة على  يد المتطرفين والمتشددين.

مرة جديدة تظهر الأحداث الأخيرة أن الرهان على الغير غير مجد، وفكرة التعلق بالمجتمع الدولي أضحت فكرة واهية، فلا إسرائيل تحترم أي شرعية دولية، ولا تقيم وزنا لأي قرارات أممية،  كما  أن الوسطاء  أخفقوا  في بلورة أي شروحات أو طروحات عدلية، يمكنها  أن ترجع حقا  ضائعا، أن تصون كرامة مجروحة على الأرض.

وفي السياق نفسه نجد الولايات المتحدة الأمريكية، ورغم تغير الإدارة من الجمهوريين إلى  الديمقراطيين، هي هي لم ولن تتغير، فيما  الفارق الوحيد تمثل في أن الجمهوريين وعلى رأسهم ترامب، كانوا يقولون علنا ما يخططون له سرا، فيما  إدارة بايدن القلقة والمرتبكة من جراء قضايا الداخل وضغوطات الخارج، لا  تبدو القضية الفلسطينية في الوقت الراهن على رأس أولوياتها.

ما الذي يتبقى قبل الانصراف؟

حكما  سيعلو الصوت.. هل من فائدة من السلام مع إسرائيل بعد ما أقدمت عليه، وما تخطط له، وهو حكما سيتجاوز الأراضي الفلسطينية ربما إلى  دول الجوار؟

الثابت أن إسرائيل لا تؤمن الإ بالآلة العسكرية، وبنهج القوة الغاشمة، وفاتها  أن من  يأخذ بالسيف، فبالسيف يؤخذ، وغالبا ما  ستدرك قيمة السلام بعد فوات الآوان، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى