ما بعد الانتخابات الفلسطينية
مروان كنفاني

ما من شك في أهمية تجاوب الفصائل الفلسطينية جميعها مع نداء الشعب الفلسطيني وإصراره ورغبته في ممارسة حقه في الانتخابات بكافة فروعها الرئاسية والتشريعية، غير أن الواقع يشير إلى أن توصل الفصائل إلى مرحلة الموافقة على الانتخابات، خاصة حركة فتح وتنظيم حماس، لم يأت نتيجة لرغبة تلك الفصائل باعتباره التزاما واجبا تجاه الشعب، لكنها استجابة مفروضة جراء ضغوط أجنبية وتوجهات دولية تتعلق بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

تجري ترتيبات تبدو جادة لإجراء انتخابات عامة خلال الصيف المقبل، ويملأ الأمل قلوب الفلسطينيين للخروج من الانقسام الذي طال لسنوات عديدة، فقد مرت نحو خمسة عشر عاما على الانتخابات الفلسطينية الأخيرة التي قسمت الشعب والأرض الفلسطينية، هل يمكن أن تفشل الانتخابات الموعودة خلال أشهر معدودة؟ وما هو السبيل لضمان احترام وتنفيذ نتائج الانتخابات؟

لم يكن الانفصال الحاصل نتيجة إجراء انتخابات عام 2006، بل جاء بسبب الفشل بعد الانتخابات وتداعياتها حين رفضت فتح وحماس احترام ما أسفرت عنه، والتفاهم حول كيفية تنفيذ رغبة الشعب الفلسطيني التي أفرزتها.

مضت هذه السنوات وعاش شعبنا خلالها في ألم سفك دماء عزيزة لشباب من التنظيمين، وصدامات دموية ودعائية، واجتماعات في دول عربية وغير عربية، واقتراحات واتفاقات وهمية وتحالفات متضاربة وتصريحات سياسية وصحافية مخادعة، لتسفر عن خطوة جدية باتجاه الانتخابات المطلوبة.

الآن هناك إدارة أميركية جديدة وحزمة عاطفية من التصريحات الغربية، وإذ بكل الفصائل متصافة على طريق الانتخابات. ومفيد أن يأتي قرار الانتخابات من مصادر غير فلسطينية من أن لا تأتي أبدا.

في التاريخ السياسي العالمي المتعلق باختيار القيادة الوطنية في مرحلة الاستعمار العسكري أو الاستيطاني هناك واقع لا يقبل التغيير، سواء أكان ذلك في الحرب الأميركية ضد البريطانيين أم حروب فيتنام الدامية أو نضال جنوب أفريقيا أو انتفاضات الجزائر وتونس ومصر وكوبا.

في تلك البلدان كانت هناك قيادة واحدة وبرنامج سياسي واحد، ولم تكن في تلك التجارب قيادات متفرقة ومتضاربة، ولم تكن في الجزائر جماعة تحارب الفرنسيين وأخرى تتفاوض معهم. كانت جبهة التحرير تحارب وتفاوض. ولم يحصل غير ذلك في حرب الاستقلال الأميركية، ولا انتفض الروس ضد القيصر، ومعظم الدول العربية التي حققت استقلالها في ما بعد.

ينص القانون الأساسي، وهو بمثابة الدستور، على أن رئيس السلطة الوطنية هو رئيس الكيانية الفلسطينية، وصاحب الولاية الوحيد بتعيين مرشح الحزب الحائز على أعلى عدد من الأعضاء الناجحين في الانتخابات لعضوية المجلس التشريعي الفلسطيني لتولي منصب رئيس الوزراء. وجرت العادة في مختلف دول العالم أن يقوم رئيس السلطة الوطنية (رئيس الدولة الفلسطينية) بتوجيه خطاب في الاجتماع الأول للمجلس يتضمن رؤيته للأبعاد والأهداف والسياسة العامة التي يتحتم أن تتبعها الحكومة.

عرض الرئيس الفلسطيني في الاجتماع الأول للمجلس التشريعي رؤيته للسياسة العامة الداخلية والخارجية، بينما عبر رئيس الوزراء من نفس المنبر والمجلس عن سياسة ومواقف وأهداف تتعارض وتتحدى سياسات ورؤية الرئيس.

وتحدث الرئيس عن التمسك بالحقوق الفلسطينية والعمل بقرارات الأمم المتحدة والتفاوض حول تنفيذها، وأطلق رئيس الوزراء الجديد سياسة نارية باتجاه نضالي وتحالف مع الدول الداعمة للمقاومة المسلحة.

لم ير الرئيس يومها إقالة رئيس الوزراء الجديد لتجاوزه بنود الدستور الفلسطيني ربما تخوّفا من انفصال قطاع غزة، وربما تماهيا مع بعض القيادات والأعضاء الغاضبين من نتائج الانتخابات لإغلاق سبل التفاوض والتفاهم مع حماس، وترك طريق الانفصال مفتوحا أمامها.

لم ينتصر أبدا شعب يعتمد نصفه إستراتيجية المقاومة والصدام، ويعتمد نصفه الآخر على الصمود والتفاوض وسيلة لتحقيق أهدافه، ولا ينتصر شعب يزجّ نصفه أنفسهم في دعم اقتتال بين الدول الكبرى وحول أمور لا علاقة للفلسطينيين بها.

كيف تستطيع حركة حماس العربية دعم مطالب إيران في الخليج العربي؟ وكيف تردع صواريخ فلسطينية أو مجموعة جريئة من شباب مؤمن لا يخشى الموت إسرائيل واحتلالها؟

هؤلاء الشباب هم زادنا للتصدي لاعتداءات إسرائيل على الأراضي الفلسطينية في محيط قطاع غزة وجبال الضفة الغربية بتأييد ودعم العالم، هذا الهدف هو أيضا موقف حركة فتح وكافة الفصائل الفلسطينية.

يجب على قادتنا وفصائلنا ألّا يعطوا التطرف الإسرائيلي النهم الحرية في البطش بالشعب الفلسطيني في غزة أو غيرها والاستيلاء على أرضه وبناء المستوطنات في الضفة والاستمرار في تهويد القدس.

ماذا سيكون الموقف الفلسطيني المتحالف مع إيران في ظل الاحتمال الذي يلوح في الأفق بقرب التوصّل إلى اتفاق جديد بين إيران ودول الاتحاد الأوروبي والإدارة الأميركية وفق مصالح الطرفين؟

حركة حماس مشغولة دون إعلان بانتخاباتها الداخلية وبعض قادتها يسعون للتغيير في القيادة، بينما يميل أعضاء وقيادات آخرون للحفاظ على هذه القيادة لأسباب عديدة، هل ستستمر غالبية حماس من قيادات وأعضاء فيما لو حصل تغيير في القيادة المؤيدة لإجراء الانتخابات الفلسطينية؟ وهل ستحترم قيادة حماس القديمة أو الجديدة النتائج سواء أكانت لها أو عليها؟ وما الذي يرغمها على ذلك؟ وهي الأسئلة نفسها مطروحة على قيادات حركة فتح.

ما بعد الانتخابات قد يتطلب تسليم السلاح الحمساوي والصواريخ لحكومة فتح لو فازت في الانتخابات، أو حدوث جولة جديدة من الحرب بين إسرائيل وحماس فيما لو تسلمت الأخيرة الحكم في فلسطين.

ما بعد الانتخابات قد يتطلب طرد الآلاف من الموظفين والجنود والشرطة الذين عينتهم حماس، وإغلاق الوزارات والمؤسسات التي تبنتها، أو صرف الملايين من الدولارات لإعادة استيعابهم في دولة تحكمها حركة فتح.

ربما تبدل مستقبل كل الموظفين والجنود وأجهزة الأمن والشرطة فيما لو تولت الحكومة الفلسطينية القادمة. كذلك قد تتغيّر خارطة الحلفاء والأصدقاء والأعداء للدولة الفلسطينية العتيدة في ما بعد الانتخابات.

ما بعد الانتخابات قد يحتاج تفاوضا فلسطينيا – فلسطينيا لإعادة دمج الكيانية في دولة واحدة. هل من الضرورة الآن أن تقوم كافة الفصائل بالتعهد المكتوب والواضح بالتزامهم باحترام نتائج الانتخابات واستعدادهم لتنفيذها؟

ما بعد الانتخابات لاتصلح فيه زيارات إلى القاهرة وعمّان والجامعة العربية والأمم المتحدة، لأن إصلاحه يتطلب اتفاق القيادات فقط.

على حركتي فتح وحماس أن تتهيآ كلتاهما لخوض أصعب ما مرت به القضية الفلسطينية على الإطلاق. هناك تبرز المسؤولية والشجاعة والعقل والحكمة والتضحية لتبقى فلسطين الحلم، أو نبقى مهاجرين موزعين في العالم ولدينا دويلتان عاجزتان في الضفة الغربية وقطاع غزة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى