ما بعد الحريات الجنسية واللبرلة: النموذج السويدي
د. مدى الفاتح

هناك صورة ارتبطت في أذهاننا عن المجتمعات الأوروبية تتمحور حول الحريات المطلقة، النساء اللواتي يرتدين القصير من الملابس والعلاقات المفتوحة. ما يغيب عن أذهان الكثير منا، هو أن كل هذه المظاهر التي نعتبرها خاصة بالدول الغربية، وتبدو وكأنها كانت على الدوام مرتبطة بها، ليست في الواقع سوى آثار لطفرة الحداثة في مجتمعات ما بعد صدمة الحروب العالمية.
كانت الستينيات فترة مهمة في مسار التحولات الأخلاقية الغربية، خاصة الأوروبية، فبعد مجموعة من الثورات الاجتماعية قفزت هذه المجتمعات قفزة غير مسبوقة في ما يتعلق بالحريات الجنسية، كما بدأت الكتابات والسياسات النسوية التي تمضي لإلغاء الفروق بين الذكور والإناث في الانتشار، بدءاً من الحق في العمل والحق في ممارسة السياسة، ونهاية بما يتعلق بإلغاء التقاليد القديمة التي كانت تسند للرجال أدوار القوامة الأسرية.
تزامن كل ذلك مع الطفرة في مجال التطور الإذاعي وفي أدوات الترفيه، فانتشرت الأفلام الإباحية، وظهر التسامح القانوني والاجتماعي مع الممارسات الجنسية التي تتم برضا الطرفين. ثم لم يلبث هذا التسامح أن تمدد ليشمل العلاقات المثلية، لتصبح علاقات محترمة، تسندها التشريعات وتعترف بها القوانين الأسرية، التي مضت أبعد من ذلك وهي تعيد تعريف الأسرة، التي ما عادت تتكون حصراً من أب وأم وأطفال، وإنما أضيف إلى ذلك عائلات من رجلين أو امرأتين وطفل أو مجموعة من أطفال التبني. ولأن القيم الغربية هي في أصلها قيم مطلقة بمعنى أنها لا تعترف بما هو صحيح مطلقاً أو نموذجي، فإن التجريب والانفتاح كانا بلا حدود، ليصل الأمر حد التساهل في التحول الجنسي، وهو ما يبدأ تشجيعه حتى في فترة ما قبل سن الرشد، كما يصل أيضاً حد الدخول في علاقة ثلاثية قد تكون مكونة من زوج وزوجة وشريك ثالث، على غرار ما ناقشه مسلسل «أنا وأنت وهي» الذي عرضته منصة نتفليكس. إذا كان هذا هو الحال بشكل عام في معظم العالم الغربي، إلا أن الدول الاسكندنافية تمثل قمة هرم التحرر الاجتماعي، من بين هذه الدول تحظى السويد أيضاً بمكانة متقدمة في مجال تمكين المرأة وفي «اللبرلة» الاجتماعية. منذ العام الماضي صعدت السويد إلى سطح الأحداث مع أزمة نظام المساعدات الاجتماعية، الذي يعرف بـ»السوسيال»، فمع اتهام أفراد من الجالية العربية والإسلامية للسويد بسحبها لأطفالهم، من دون وجه حق، واعتبار ذلك «اختطافاً»، لم تجد السلطات بداً من الاعتراف بسحبها آلاف الأطفال الذين تعرضوا، وفق تقديرها، لمعاملة قاسية أو نشأوا في ظروف غير مثالية.

التصورات الغربية حول الحرية الجنسية ترى في منهجها وطريقة حياتها حقاً مطلقاً يجب أن يتّبع على المستوى العالمي
الجدل حول هذه القضية ما يزال مستمرا، على الرغم من محاولة دوائر الهجرة والخدمات الاجتماعية تبرير تصرفها بكونه ناجماً عن مساعيها للحفاظ على مصلحة الطفل. أثبتت دراسات محايدة أن أخذ هؤلاء الأطفال عرّضهم لمخاطر وانتهاكات كثيرة، كما أوضحت هذه الدراسات واعترافات أخرى للعاملين في «السوسيال» بأن هناك الكثير من الاستغلال في هذا الملف للطفل ولعائلته، التي تكون في الغالب وافدة حديثاً وجاهلة بالقوانين المحلية، كل هذا الواقع القاتم كان يتناقض مع الصورة الزاهية للبلد الذي يضع مصلحة الطفل والمرأة كأولوية. ملف «السوسيال» لا ينفصل عما ذكرناه في البداية، فمن الأسباب التي تدفع لسحب الطفل، الاتهام بحمل أفكار مناقضة لقيم المجتمع. في هذه الحالة تتهم العائلة بأنها من تسبب في زرع أفكار سلبية في رأس الطفل، هذا قد يشمل حديث الطفل أو المراهق عن رفض ممارسة الجنس قبل الزواج، أو تفوهه بكلام أو إشارة فيها ازدراء بالمثليين، أو افتخار زائد بالقيم الدينية، وكل هذه أسباب تم بموجبها نزع أطفال عن عائلاتهم فعلاً وحرموا بموجبها من رؤيتهم لسنوات طويلة. بشأن العذرية، ورد في الأخبار الأسبوع الماضي، أن بلديات سويدية شرعت في استطلاع عذرية الفتيات من أصول مهاجرة، استناداً إلى النظرية التي تقول، إن التشدد في رفض ممارسة الجنس، إنما ينتج عن اضطهاد عائلي، وهي نظرية لا تحب أن تفهم أن من الممكن أن يكون التمسك بالعذرية خياراً شخصياً، وهذا شبيه بوجهة النظر السائدة التي لا تنظر لحجاب المسلمات إلا كأنه دليل على الخضوع الاجتماعي. من المفارقات هنا أن هذه المجتمعات التي تتساهل في ممارسة الجنس إبان الطفولة والمراهقة، تعتبر في الوقت ذاته أن تزويج غير الراشدين جريمة. مشكلتان تواجهان تعميم نموذج القيم الغربية بتمظهراتها المغالية، الأولى هي أنه، على الرغم من الضخ الإعلامي والدعائي الفائق، إلا أن هذه القيم فشلت في أن تكون عالمية ومحل اتفاق بين الناس، ولعل قصة لاعب باريس سان جيرمان، الذي تغيب عن المباراة التي ارتدى فيها زملاؤه شارات المثلية، وما صاحب هذه القضية من تفاعل وتأييد لموقفه، هي أكبر دليل على أن العالم لا يمتلك وجهة نظر واحدة. التصورات الغربية حول الحرية الجنسية ترى في منهجها وطريقة حياتها حقاً مطلقاً يجب أن يتّبع على المستوى العالمي، ففي موضوع المثلية، على سبيل المثال، لم يعد كافياً أن تتجنب التعليق أو أن تمتنع عن المشاركة، كما فعل لاعب كرة القدم، وإنما يجب أن تعبر بصراحة عن دعمك وتأييدك. المشكلة الثانية التي تواجه المجتمع الغربي ودولاً مثل السويد، بالإضافة إلى ما سبق من خوض معركة دولية لإقرار تصوراتها، هي ما تواجهه داخلياً من تزايد أعداد المهاجرين القادمين من العالم العربي والإسلامي، الذين يصعب إدماجهم، بمعنى حملهم على احترام الطريقة السويدية في التفكير والتعريف السويدي للحرية والمساواة. مرة أخرى يقود هذا لتفسير التشدد السويدي في موضوع انتزاع الأطفال عن ذويهم ووضعهم في أسر بديلة. أغلبية هؤلاء الأطفال، وفق الإحصاءات الرسمية، هم مسلمون، ومعظمهم أخذ إلى أسر سويدية وهو ما يكفل للدولة ضمان إعادة تنشئتهم، وفق ما تعتبره قيما مثالية بعد فصلهم عن حواضنهم. يفسر هذا أيضاً تصاعد العنصرية الرسمية والشعبية تجاه المهاجرين العرب والمسلمين، والتمييز الواضح ضدهم في فرص العمل، كما يفسر لماذا كانت السويد، التي يزدهر فيها الخطاب اليميني المعادي للأجانب، مرحبة بالوافدين الأوكرانيين، حيث لم نسمع أي تذمر من سياسة الترحيب بهم وإعالتهم عقب اندلاع الحرب، على غرار التصريحات الرافضة لاستقبال اللاجئين العرب، الذين فروا أيضاً من بلادهم إثر ظروف إنسانية شبيهة.
بشأن الحريات الجنسية ومساعي تكسير التابوهات الأخلاقية، تفرض مجموعة من الأسئلة نفسها ومنها: هل النموذج القيمي السويدي/الغربي هو فعلاً مثال يحتذى؟ وإن كان الأمر كذلك، فلماذا تزدهر جرائم التحرش والاغتصاب والاعتداء على النساء في بلد يجعل حمايتهن أولوية؟ لماذا تقتل 12 امرأة منذ بداية العام ولماذا يتزايد عدد المنتحرين عاماً إثر عام؟ الوضع من ناحية السلم الاجتماعي العام ليس أفضل كثيراً، حيث تشير الإحصائيات إلى وقوع حوالي ثلاثين ضحية لحوادث القتل باستخدام الأسلحة النارية في هذا العام، ضمن أحداث وصفتها الأجهزة الأمنية بصراعات بين عصابات تضم بين أفرادها شباباً وأطفالاً. لماذا ينضم شباب في بلاد الرفاه الاجتماعي لعصابات الجريمة والمخدرات؟ ولماذا لا ينجح ذلك المجتمع، الذي يرى أسلوبه في الحياة مثالياً ويدعو للتشبه به، في حمايتهم؟
كاتب سوداني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى