ما بعد كورونا…
أحمد الفيتوري

1-

رُبّ ضارةٍ نافعة، هكذا ينظُر أهلنا، حين المُصاب وحتى البلاء، ما يستلزم من البشر الحكمة، التعاضد، التنظيم، ومراجعة الحالة وما مضى، فعنذئد يجب ما يجب. كان صديقي الليبي المُغترب في كندا، يروي لي قصته، حين كان بمونتريال، وهبت عاصفة هوجاء، التهمت الأخضر وحطمت اليابس، آلاف الاشجار تهاوت، وقُطعت الكهرباء، كان حينها يعمل طبيباً، في الحي الريفي النائي، حيث أيضاً يسكن. قال لي: لم يستغرقني الوقت، حتى أُضيء بيتي، حتى عمه شيء من الدفء، ولم يستغرق، بعض جيراني الوقت أيضاً، فبِكل يدٍ مُضرجة دقوا بابي، كانوا في ظلام دامس وبرد، وشيء من الخوف، وكان ظنهم أني الوحيد، من علم بالغيب فيهم، فاتخذ الاحتياط واقتنى مولد كهرباء. لم يخطر في بالهم أبداً، أني أفريقي من ليبيا، لم أعرف الكهرباء إلا في الصبا، وقبل، كنت أعيش ليلي بنور فتيلة، ما لم تكن عندي في تلك الساعة، فاستعنت بالمناديل الورقية “كلينكس”، وسكبت الزيت في صحون القهوة، التي زرعتها بورق المناديل كما فتيلة، أشعلتها ووضعت العديد منها، في أركان البيت. سُروا كثيراً بسرّي المكشوف، ففي بيوتهم، ما ملكت، لمواجهة البلية تلك ساعتها، وقد استعانوا بي بعد، في غير ذلك، للاستفادة من علمي وتجاربي القديمة، ضحك وهو يؤكد لي: أنه ساعتها فقط أحس، بأن لديه ما يُعطي، قبل أن يكون الطبيب.

تذكرت قصة الصديق، حين رأيت الكورونا/الجائحة، يُرجع الناس إلى بيوتهم جبراً، ليتحصنوا ضده بالتعاضد العائلي، ما شغلتهم عنه مشاغل حياة مستعجلة، حتى غدا الناس كافة: شعب الله المستعجل! ما سموه بالعزلة، ثم منع التجول المصطلح العسكري، لم يتم التروي والتمعن فيه، الكورونا أعاد العائلة البشرية إلى كنف البيت، وبغثة اكتشفوا جميعا أنهم بشر، جنس واحد يمكن لفيروس ضئيل خبيث، أن يُفنيهم، كما طاعون ما بعد الحداثة، في زمن العولمة في العصر السبراني، وجد البشر أن الملاذ البيت، واغلاق الأبواب، والحدود، وأن تتخذ البشرية في هكذا جائحة أجازة، عطلة كي يصفو الجو من تلوث “الاحتباس الحراري”، والقرابين البشرية التي تقدم الساعة، لإله الموت الكورونا، ضرورة المواجهة، فهم في حروبهم الصغيرة، في ليبيا الساعة، وسوريا، وأفغانستان مثلاً حيثُ الحرب لا تنتهي، تُقدّم قرابين أكثر بكثير، ليبقى أو يجيء أحدهم إلى سدة السلطة، وكم قتل “ترمب” بطريقة ما، كي يُعاد انتخابه؟

2-

الصينيون، الذين أرسلوا نصف مليون قناع طبي الى أيطاليا، كتبوا على الصناديق جملة، من قصيدة رومانية: نحن أمواج من البحر ذاته. وكانت اليابان تبرعت للصين، في بداية انتشار وباء كورونا، بمعدات طبية، وكتبوا على صناديقها، من قصيدة صينية: لدينا جبالٌ وأنهارٌ مختلفة، لكننا نتشارك، الشمس والقمر والسماء ذاتهم.

بطريقة ما، هذا ما جعل العرب، تقول رُبّ ضارة نافعة. وبطريقة أخرى، الكورونا نبّه البشر، فسفينة نوح التي يركبون، الكرة الأرضية أصابوها بثقب الأوزون، وها هم البشر جمعاً مصابون، وهم جميعاً يعيشون في البيت، البيت الواحد المصاب. والنافعة في هذا الضرر، أن ليس بمكنة أحد منا، أن يغلق نافذته، والبيت واحد وبابه واحد، وأن هذا ليس كلام شعراء الرومانسية، ولا مفكري الانسانوية، بل هذا بيان الكورونا الفصيح الآن وهنا.

وكل غير ذلكم مجرد تفاصيل، تفاصيل جيوسياسية، اقتصادية، علمية… لكنها جميعا تفاصيل لحقيقة واحدة “الكورونا”: الموت الفصيح، ومن هذا وبه فالمشكل الإنساني الساعة، مشكل وجود، كما قولة المسرحي شكسبير: نكون أو لا نكون. لأنه في الأخير هناك اجماع، أن الحاصل لم يحصل قبل، حتى أن الأبله الانجليزي، طالب شعبه أن يودعوا أحبابهم، فيما ميركل على غير المعتاد، ألقت خطباً شعرياً في صيغة شعرية، ملخصها أن ما يحدث لم يحدث، بعد الحرب العالمية الثانية، هذا وغيره يُلخص المسألة، أن ما بعد الكورونا ليس ما قبلها.

كيف يكون العالم، ما بعد الكورونا، مسألة ليست ذات علاقة بالحسابات المصرفية، والسوق والبورصة، ولا علم المستقبليات، بل يمكن رؤيتها الساعة، فالعالم الذي نرى، لم يخطر بعقل بشر، وإن تخيل فنانون شيئاً مقارباً، فهو ليس كما يرى الآن وهنا، فسيمياء اللحظة الاستثنائية تؤشر، أن العالم ليس العالم الذي نعرف، فالقيامة الآن التي نشهد، تضع لبنة وأساسات أخرى، لما سيكون عليه العالم، فالفيروس فعل، ما لم يستطعه البشر، من لا يستطيعون أن يروا ما تغير، لأنهم يعيشونه الساعة، فهم في حال من في الصورة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق