ما حصل من تهجير في الجولان عام 1967 هو ما حصل في اللد والرملة عام 1948

السياسي -وكالات

أكد معهد دراسات إسرائيلي أن ما حصل من تهجير في الجولان السوري عام 1967 هو ما حصل في مدينتي اللد والرملة الفلسطينيتين عام 1948. ويستذكر معهد “عطكافوت” أن نحو 90 ألف سوري أقاموا في الجولان السوري المحتل عشية حرب 1967 تبقى منهم بعدها 6396 فقط طبقا للمسح السكاني الإسرائيلي مما يعكس حجم التهجير في تلك السنة.

ويؤكد “عكافوت” أن معظم الوثائق التاريخية المتعلقة بالسوريين في الجوان ما زالت طي الكتمان لكن بعض التسريبات القليلة ومستندات الصليب الأحمر المودعة في جنيف تكشف الأسرار والحقائق. ويتساءل “عكافوت” أين ذهبت عشرات آلاف السوريين من سكان الجولان قبل تلك الحرب ويقول إنه حسب الرواية الإسرائيلية التي تنبهت أيضا المؤسسة الأكاديمية فقد “هرب هؤلاء لسوريا سوية مع وحدات الجيش السوري المنسحبة غير أن الحقيقة مغايرة”.

ويستدل من بعض الوثائق القليلة التي كشف عنها معهد “عكافوت” أن قيادة لواء الشمال في جيش الاحتلال قد أعدت خطة لاحتلال هضبة الجولان السوري بـ48 ساعة عرفت بـ”خطة المقص”. ويستذكر أن إسرائيل بدأت في التاسع من يونيو/ حزيران باحتلال هضبة الجولان وما لبثت أن سيطرت عليه بسرعة.

وحسب مستند تاريخي للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية كشف عنه “عكافوت” فقد سكن في هضبة الجولان المحتل حوالي 90 ألف نسمة منهم 20 ألف في مدينة القنيطرة وفق سجل السكان السوري، فيما قالت روايات أخرى أن 130-145 ألف نسمة قد سكنوا في الجولان المحتل لكن المؤكد أن عد من تبقى غداة انتهاء الحرب بلغ 6396 وفقا للمسح السكاني الإسرائيلي أغلبيتهم الساحقة من بني معروف أقاموا في أربع قرى فيما أقام في قرية الغجر عرب سوريون من “العلويين”.

ويضيف “عكافوت”: “رغم علمهم بالحقيقة التاريخية آثر باحثون إسرائيليون عدم التحفظ منها وفي 2010 كشف الصحفي شاي فوغيلمان في صحيفة “هآرتس” تقريرا هاما حول مصير سكان الجولان السوري المحتل لكن تشويش الحقيقة هنا لم يكن نتيجة كسل الباحثين بل لأن الأرشيفات الإسرائيلية الخاصة بطرد السوريين في الجولان ما زالت مغلقة بينما تم تشويه بعض المحاضر القليلة الأخرى التي سمح بالكشف عنها بشطب فقرات منها”.

مدينة أشباح

ويقدم “عكافوت” مثالا على ذلك بالإشارة إلى تقرير لقيادة لواء الشمال حول عمل الوحدة 36 خلال حرب 1967 والذي جاء فيه: بدء من 11 يونيو/ حزيران شرعت السلطات الإسرائيلية بمعالجة موضوع السكان المتبقين في الجولان خاصة الدروز والشركس”.

ويوضح المعهد الذي  يختص بالكشف عن وثائق تاريخية تفضح حقيقة ما جرى من باب أن ذلك يساهم في تقريب احتمالات التسوية والمصالحة وإنهاء الصراع أن الرقابة العسكرية قامت بشطب بقية العبارة لكن الصحافي شاي فوغيلمان نجح بالعثور على نسخة أخرى يشمل تتمة العبارة المشطوبة وهي: “وإخلاء السكان المتبقين في الهضبة”.

ويتابع “عكافوت”: “في ظل عدم وجود توثيق إسرائيلي مفتوح توجهنا لمصادر أخرى كالصليب الأحمر في جنيف وفيه تبين أن موفدين عن المنظمة الدولية وصلا للجولان فور انتهاء الحرب من أجل معالجة محنة السكان المحليين وقد وثقا الأوضاع السائدة في الجولان عقب الحرب”.

التقرير المسمى باسميهما (أوت و ايفر) يكشف أن الموفدين سافرا من القدس لجولان في الخامس من يوليو/ تموز 1967 ووصلا بنفس اليوم القنيطرة بعدما احتجزهما الجيش الإسرائيلي لساعتين على الحدود بين الجولان والجليل ويعكس تقريرهما عن واقع الحال فيها صورة بائسة بعدما تحولت لمدينة أشباح”.

ويقول مندوبا الصليب الأحمر في تقريرهما: “قمنا يوم السبت الثامن من يوليو/ تموز بجولة في قرية البانياس المهدمة وقرية المنصورة التي بدت سالمة وبرفقة دليل وصلنا بيت مختارها أبو مبدأ الذي قال إنه من بين 30 ألف سكان القنيطرة تبقى 300 شخص فقط يقدم لهم الجيش الإسرائيلي غذاء ودواء مرتين في الأسبوع.

وفي التاسع من يوليو/ تموز وصلا إلى قرى جويزة والعايشية والممسية وفي القرية الأولى وجدنا بعض المتبقين من سكانها فأكدوا لنا أن 20 من سكان القرية البالغ تعدادها 800 قد تبقوا فيها، فيما بدت قرية العايشية سالمة أما قرية الممسية فكانت مهجورة ومحاطة بحقول قمح لم تحصد ويبدو أنها تعرضت للسرقة الجزئية”.

تقرير الصليب الأحمر

ويقول المعهد الإسرائيلي إن موفدي الصليب الأحمر قد وصلا في التاسع عشر من الشهر لقرية الفرج التي خلت من ملامح الحياة عدا بعض دجاجات وكلب وبدا أن سكانها الفقراء قد غادروها على استعجال وتبين أن العدد القليل من بيوتها الكبيرة قد تعرضت للسلب والنهب والخراب: أغذية متناثرة داخل البيوت بشكل فوضوي وأسطح مدمرة وبقايا أثاث محروق ورائحة الموت تنبعث منها ما دفعنا للبحث عن جثث فوجدنا حمارا ميتا ويبدو أنه لم تتبق جثامين القتلى داخل القرية. وقد لخّص موفدا الصليب الأحمر واقع قرية الفرج بالقول: “وجدنا قرية مهجورة وفي الجهة الشرقية- الجنوبية مستودع مياه”.

ويرجح معهد “عكافوت” الإسرائيلي أن السلطات الإسرائيلية طردت من تبقى في الجولان تقريبا بالكامل منوها لتقديرات الصليب الأحمر أيضا بأن إسرائيل طردت معظم سكان الجولان السوري خلال وفور احتلاله بالعنف وبوسائل ضغط أخرى.

ويضيف في هذا المضمار: “لا خلاف على أن أغلبية السكان السوريين في الجولان قد فروا من بيوتهم خلال احتلاله ولكن كان واضحا أن إسرائيل منعت عودة اللاجئين- حتى أولئك الذين لم يبتعدوا وبقوا في الحقول المحيطة بقراهم في انتظار العودة لها”.

وينقل المعهد عن أمنون أساف إسرائيلي مقيم في المستوطنة التعاونية “معيان باروخ” قوله إنه تجول في الجولان فور انتهاء حرب 1967: “تجولت مع صديق من مستوطنتي في الجولان. وقتها كان ما زال يحظر على المدنيين الإسرائيليين التجوال في الجولان فقمنا بدهن مركبتنا من طراز “جيب” بالتراب كي يظن الجنود أنها مركبة عسكرية ولا يوقفوننا وعندما صعدنا من ساحل بحيرة طبرية نحو الهضبة وجدنا مئات السوريين في مفرق “كورسي” يحتجزهم جنود إسرائيليون فتوقفنا وسألنا عم يفعلونه فقال: نقوم بتسجيل السكان السوريين قبل طردهم. لست إنسانا رقيقا جدا لكنني أيقنت عندها أن أمرا جللا يحدث. وعمليا ما حصل في الجولان عام 1967 هو ما حصل في مدينة اللد والرملة الفلسطينيتين عام 1948. شاركت في حرب 1948 وكنت عضوا في الكتيبة الثالثة في (البلماح) – القوات الضاربة للهجاناه- ورغم أنني جرحت في تلك الأيام عرفت ما حصل. لقد رووا لي عن التهجير عندما جاءوا لزيارتي في المستشفى وطبعا لاحقا في السنوات التالية”.

شهادات إسرائيلية

ويشير إلى أن عددا من الجنود الإسرائيليين ممن شاركوا في حرب 1967 قد رووا للصحافي شاب فوغيلمان إن كل من أطل من داخل مجنزرة أو دبابة شاهد مئات السوريين في الجولان المحتل قد تجمعوا خارج قراهم وكانوا يتجهون بجماعات نحو الشرق بعضهم مع الجيش السوري المنسحب ولكن الكثير منهم تبقوا على أمل استعادة دورة الحياة حتى بعد الاحتلال. ويقول إن واحدة من خطوات قامت بها إسرائيل لمنع عودة اللاجئين السوريين لقراهم هو الإسراع إلى هدمها”.

وينقل “عكافوت” عن العاد بيلد قائد عصبة 36 التي احتلت جنوب الجولان قوله في شهادته أمام الباحث بوعز مزال طوف من مركز اسحق رابين لدراسات إسرائيل:

بوعز: هل تذكر التهجير في الجولان؟

بيلد: أذكر القرار بالتقدم بالجرافات نحو القرى وتدميرها كي لا يكون مأوى لمن يرغب بالعودة لدياره.

بوعز: سريعا؟

بيلد: نعم سريعا. شرعوا بذلك تماما خلال الأسبوع الأول أو الثاني وكان هناك نحو 30 قرية.

بوعز: قرى كبيرة؟

بيلد: نعم قرى كبيرة.

بوعز: بقيت بعض الخرائب؟

بيلد: كنت ترى بيتا هنا أو هناك عدا القنيطرة طبعا.

بوعز: قرروا عدم المساس بها؟

بيلد: لا أعرف. طالما كنت هناك لم يمسوا بالقنيطرة ويبدو لي أنهم لاحقا بادروا لتدميرها”.

ويوضح “عكافوت” أن السلطات الإسرائيلية ركزّت أغلبية سكان قرى الجولان السوري المحتل عدا القرى الدرزية في شمال الهضبة، داخل القنيطرة وبالتدريج تمّ نقلهم لسوريا ويضيف “لكن هذه السياسة الإسرائيلية بدأت تفضي لدفع ثمن دبلوماسي”.

ويستدل من وثيقة أرشيفية سرية من 08 يوليو/ تموز 1968 أن ميخائيل كومي من كبار موظفي وزارة الخارجية الإسرائيلية قد توجه بعد عام من الحرب إلى شلومو غازيت المسؤول عن متابعة شؤون الأراضي المحتلة من قبل وزير الأمن موشيه ديان. وفي مذكرته ينبه كومي إلى أن منظمة الصليب الأحمر يشكون أن السلطات الإسرائيلية تضيق على عمل موظفيها في الأراضي المحتلة وأن طرد سكان القنيطرة المتواصل منذ شهور يضعنا أمام أسئلة وتحقيقات الصليب الأحمر ويبدو لي أنه إذا لم يكن بدأ فمفضل تصريف المشكلة بصورة إنسانية جدا”.

ويشير “عكافوت” إلى أن القرى العربية الدرزية في الجولان بقيت على حالها ولم تمس بأذى وهي تعد اليوم نحو 30 ألف نسمة يناهضون بأغلبيتهم الساحقة الاحتلال الإسرائيلي وتعتبر مجدل شمس عاصمة الجولان وفي مركزها نصب تذكاري ضخم للمجاهد الراحل سلطان باشا الأطرش.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى