ما سر “معجزة” طريقة سنغافورة لتدريس الرياضيات للأطفال؟

تتصدر سنغافورة من جديد، قائمة أفضل الدول في تصنيف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لقياس أداء الطلاب، كما تؤكد الدراسات والأبحاث أن سنغافورة تملك أذكى شعب في العالم، بالنظر إلى ما يحققه أبناؤها من تفوق في الرياضيات والمواد العلمية عمومًا. وهو نجاح يعود إلى ما بات يعرف بمنهج سنغافورة لتعليم الرياضيات.

تعد سنغافورة بلدا صغيرا ولا يتوفر على الكثير من الثروات، لكنه وعى بشكل مبكر أن الثروة البشرية هي أهم ما يمكن امتلاكه لتحقيق التنمية، فركزت البلاد، بذلك، على التعليم كأحد أعمدة التنمية فيها، ووفرت له حوالى 20 في المائة من ميزانيتها العامة. وهو جهد لم تتأخر في جني ثماره، إذ أصبحت سنغافورة نموذجا يحتذى به في العالم في مجال التعليم، وخاصة بفضل اعتماد منهج سنغافورة لتدريس الرياضيات.

ويعود تاريخ ذلك المنهج إلى أواخر السبعينيات، حين كان المستوى الدراسي في سنغافورة منخفضًا، وكانت المقررات التعليمية تعتمد أساسا على المصادر الغربية. ولتدارك الأمر، قررت الدولة تعديل نظامها التعليمي، وأساسا في مادة الرياضيات. وعكف عدد من الأساتذة والباحثين، على مدار خمس سنوات، على دراسة منهج جديد لتعليم الرياضيات، واعتمدوا في ذلك على تجارب محلية ودولية. كما اعتمدوا على دراسات علم النفس ومنها تلك التي تؤكد أن الإنسان يتعلّم من خلال ثلاث مراحل أساسية هي: استعمال أجسام حقيقيّة، واستخدام صور لتلك الأجسام، ثم الاعتماد على الرموز. وقد مكنهم ذلك من تجريب منهج جديد تطلب تنفيذه في أقسام مختلفة 15 عاما، قبل أن يصبح نموذجا ناجحا ومتكاملا.

وتثبت تجربة سنغافورة في التعليم أمور أساسية، منها أن السنغافوريين لم يكونوا أذكى من غيرهم، لكنهم أصبحوا كذلك بفصل التعليم. وأن الابتكار في مناهج التدريس ما زال ممكنا، بل ومحبذا. وأن صغر سنغافورة لم يمنعها من تحقيق ما لم تحققه حتى أغنى وأكبر الدول. وأن المناهج الدراسية تؤثر بشكل إيجابي على مستوى عطاء وذكاء طالبي العلم، والعكس صحيح أيضا.

ما هو منهج سنغافورة؟

في عام 1997، اعتمدت سنغافورة شعاري: مدارس للتفكير، والأمة المتعلمة. وتشرح مونيكا نيغوي، مستشارة الرياضيات ومؤلفة العديد من الكتب المدرسية حول طريقة سنغافورة: “إذا علمنا أطفالنا كيف يفكرون بأنفسهم، عندها سيكون لدينا بلد متعلم”. وتلخص هذه المقولة فلسفة منهج سنغافورة لتعليم الرياضيات. فهو منهج يعتمد على الفهم أكثر من الحفظ، وذلك عبر الربط بين المجرد والمرئي وحتى الملموس للتوصل إلى نتيجة فعالة وأكثر التصاقا بذهن الطالب أو الطالبة.

ويعتمد منهج سنغافورة على مبدأ أول، هو أن التعلم لا يعني الحفظ. فباستثناء جدول الضرب، الضروري للقيام بالعمليات الحسابية، يتم الاعتماد أساسا على الفهم وإعطاء معني لكل ما يتم تعلمه. وهي طريقة، يؤكد الأساتذة في سنغافورة، تتطلب بعض الوقت، لكنها تحقق نتائج جيدة ويكون مفعول الفهم أطول وأكثر تأثيرا على منهج تفكير الشخص وقدراته على حل المعادلات الرياضية بيسر.

ويمكن تقسيم مراحل تدريس عملية رياضية معينة، حسب منهج سنغافورة، إلى ثلاث مراحل. تهم الأولى المفاهيم الملموسة، وتستخدم خلالها المكعّبات الملوّنة وغيرها من الأشكال التي يجدها التلميذ في حياته اليومية، للقيام بعمليات الضرب والطرح وغيرهما.  ثم تستخدم، في مرحلة ثانية، المفاهيم المصوّرة، حيث يتم الانتقال من المفاهيم الملموسة التي يستطيع الطفل التعامل معها بيديه، إلى صُور في الكتاب. وهي مرحلة تقف بين الملموس والمجرد. وفي مرحلة ثالثة يتم الانتقال إلى المفاهيم المجردة، حيث يُستخدم ما تم تعلمه في المرحلتين السابقتين، للتمكن، بيسر، من التعامل مع أي رقم يمكن للتلميذ أن يصادفه، ويطبّقه على أرقام مجرّدة بدل أشكال حقيقيّة أو صور كما في الخطوتين السابقتين.

ولتعلم الحساب، يتعلم الأطفال الأرقام إلى عشرة، ثم إلى عشرين، ثم يتم الانتقال بعد ذلك إلى العشرات.

بالإضافة إلى ذلك يتعلم الأطفال عبر ما يعرف ب “روابط الأرقام”، وهي مجموعة الأرقام المختلفة التي يؤدي جمعها إلى الحصول على نفس النتيجة. فمثلًا يتعلّم الأطفال في الحضانة جميع حالات الجمع التي تعطينا الرقم 5: 5=3+2 وأيضًا 5=4+1 وغيرها. وطوال فترة الحضانة والسنة الأولى من التعليم الابتدائي،  يتمّ التركيز على مفهوم روابط الأرقام قبل الانتقال إلى مفهوم الجمع والطرح.

ويعتمد منهج سنغافورة أيضا على إيجاد الطفل للأنماط المتكرّرة وربطه بين المتشابهات، كتعويد الطفل، مثلا، على الربط بين الأشكال والمتشابهات، ما يمكنه من إخراج الرياضيات من صبغتها المجرّدة التي تتجسّد في التعامل مع أرقام، إلى أفكار ملموسة.

عولمة منهج سنغافورة للرياضيات

سعت العديد من دول العالم إلى الاستفادة من منهج سنغافورة لتعليم الرياضيات، حتى بات من المناهج الأكثر استنساخا اليوم، إذ اعتمدته 60 دولة، منها بريطانيا التي تقرر في عام 2016 أن تطبق نصف المدارس الحكومية هذا النظام التعليمي. وفي فرنسا،  بات 120.000 تلميذ في 2000 صف مدرسي، من الابتدائي إلى الخامس، يدرسون الرياضيات بطريقة سنغافورة. وتنشد وزارة التربية الوطنية أن تستوحي منهج سنغافورة بشكل أكبر كي تتمكن فرنسا من اللحاق بالتصنيفات الدولية. كما أوصى سيدريك فيلاني، العالم الرياضي الفرنسي الحاصل على جائزة «فيلدز» في الرياضيات بأن تشرع فرنسا في تطبيق هذه الطريقة، وذلك بعد النتائج الكارثيّة التي سجّلتها الحكومة الفرنسية في ما يتعلّق بمستوى الطلبة الفرنسيين في الرياضيات.

بدورها تستفيد الولايات المتحدة الأمريكية من منهج سنغافورة، وبدأت الكثير من المدارس باعتماد الطريقة السنغافورية في تدريس الرياضيّات، كما أنّ أغنى رجل في العالم، جيف بيزوس، صاحب شركة أمازون العملاقة يعلّم أبناءه اعتمادا على منهج سنغافورة.

لكن سباق سنغافورة نحو التميز، يكون ثمنه أحيانا غاليا، ويؤديه الأطفال من صحتهم البدنية والنفسية. إذ إن شعورهم بالخوف من أن لا يتميزوا كغيرهم، يجعل الكثير منهم يعيش حالة خوف متواصلة. علما أن التلاميذ، يجرون امتحانات بمجرد انتهائهم من الأقسام الابتدائية، كي يسمح لهم بولوج أفضل الثانويات. وقد أقبل طفل عام 2011 على الانتحار خوفا من عدم حصوله على نتائج متميزة في الامتحانات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى