ما لم يقرأ من  دلالات رسالة طابو إلى ماكرون 
بشير عمري

وجه الوجه البارز في الحراك الثوري الجزائري الذي اندلع في فيفري 2019 كريم طابو رسالة مفتوحة للرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون، محملة بأسلوب طارئ في الشهد يخرج عن المألوف في التخاطب بين الساسة الجزائريين فيما بينهم وما بين وما بين الفرنسيين من حيث مضمون الخطاب وشكله وقنواته، وهذا في ظل حالة التردي الكبير الذي تعرفه السلطة على كل الصعد مذ أطاح بمصداقيتها وهرم همرميتها شباب الحراك ولم تعد تتمظهر في غير مؤسسات العقاب والتعنيف، وصولا إلى حالة الشغور التي تعرفها رئاسة البلاد اليوم مع مرض الرئيس.

خطاب طابو لماكرون حمل، وعلى عكس ما تصوره البعض، من أنه مجرد تعليق على ما بدر من تصريحات لساكن قصر الاليزي بخصوص الرئيس تبون والمرحلة الانتقالية التي يقودها بشجاعة، – حمل –  خطابا تضمن موقفا سياسيا واضحا، إزاء كلام ماكرون من الحراك بصفته قوة وحقيقة ميدانية يسعى النظام بالدونكيشوتية التي لجأ لها أن يتجاوزه، وبهذا فإن طابو فعَّل صوت الحراك الشعبي ودوى بصداع في أذن فرنسا الرسمية.

بالاضافة إلى هذه الخلاصة التي حملتها مبادرة كريم طابو في التوجه بالنقد إلى الموقف الفرنسي من الجزائر، والمحاولة الدائمة لحشر أنفها في الشأن الداخلي للجزائر وعدم جرأة النظام على الرد بما يلزم، فإن ما يمكن قراءته أيضا من هذا التحرك وهاته المبادرة، هو أنها جلت ميلاد النموذج الجديد من المعارضة الحراكية أي تلك التي تقطع مع معارضة المرحلة الثانية من التعديية، على اعتبار أنه بعد دخول عصر الانفتاح شهدت الجزائر مرحلتين من التعددية الأولى كانت جدية عبر عنها ثلاثي جبهات تيارتها الثلاث الكبرى الاسلامي (جبهة الانقاذ) الوطني (جبهة التحرير) الديمقراطي (جبهة القوى الاشستراكية) لم يزد عمر هاته المرحلة التي كانت مفصلية في مشروع التغيير العظيم الذي يأمله دوما الجزائريون عن الثلاث سنوات (1989/1992) قبل أن ينقلب عليها الجناح المغامر المقامر بمصير الامة ويدخل البلد في حرب أهلية ضروس، واشتغل في ضلمة تلك الحرب على إنشاء تعددية ثانية كانت نموذجا في المضمون دون الشكل للأحادية خطابا وممارسة وهذا حين اكتفت تشكيلاتها بلعب دور التزكية للقرارات التي تصدر عن السلطة الفعلية نظير امتيازات في الحضور الشكلي بالمؤسسات الدستورية النيابية، ما شجع ثقافة الفساد والاستبداد للعودة بقوة إلى مسرح السياسة نجم عنه انفجار شعبي غير مسبوق في ثورة الحراك يوم 22 فيفري 2019 بعد أن بلغ الاستهنتار بالمسئولية والاستحمار للشعب حد ترسشيح رئيس أبكم أصم لعهدة خامسة!

هذه الثورة وعلى عكس ما يحاول خطاب النظام أو بقاياه، السياسي والاعلامي اختزالها في حركة تمرد على عصابة العهدة الخامسة، كانت تحمل ضمنيا رفضا لكل النظام ومصادر تغذيته وتقويته، والمطالبة بالتجديد في كل شيء أهمها معارضة سياسية ثالثة جديدة، تقطع باللزوم مع المراحل السابقة.

ولكون النظام شعر عبر أجهزته بهذا المطلب وتيقن منه في استفتاء 01 نوفمبر الماضي حول الدستور الجديد حين قطعه 77 بالمائة من الهيئة الناخبة، طفق بسبب ذلك يسعى إلى استولاد معارضة مصطنعة أخرى من بعض الشباب الطامح لتحصيل ما تبقى من الغنيمة، بحصص مؤسسيبة انتخابية جديدة يحل فيها محل الاحزاب السياسية السابقة التي سقطت تحت أقدام السائرين في ثورة 22 فيفري 2019.

رسالة طابو لماكرون وعبرها إلى النظام السياسي للبلاد، هي تجلية للنواة السياسية الجديدة للحراك، بكونه ليس مجرد حركة احتجاجية شعبية عادية، أو كانت ضد طرف من الحكم  دون الأطراف المتصارعة الأخرى، بل هو عنوان لمرحلة جديدة من الوعي بالمسألة الوطنية ، وهي بذلك تنطوي على رؤية أخرى في العمل النضالي والوطني للفاعل السياسي الجديد.

ما يؤكد كل هذا هو صمت المعارضة الكلاسيكية حيال الرسالة أولا وقبلها صمت الأموات الذي عُرفت به منذ حادثة الانقلاب الشهير على خيار الشعب سنة 1992، ثم حيال تدخل ماكرون في الشأن السياسي الداخلي للبلد، فاوضح أن هاته المعارضة قد جُبلت على النموذج الذي خاطه لها النظام، بأن تكتفي بالحركة في الفترات الانتخابية، أن ينحصر احتجاجها على نتائج الانتخابات، وأن تأنس وتستأنس بالنقاشات الحادة حول جزئيات دستورية متصلة بالهوية يستعملها النظام كوسيلة إلهاء سياسي كلما أحس بضغط الأحداث عليه.

هكذا نموذج لممارسة دور المعارضة السياسية في الجزائر، ظل الهدف منه تكريس سلطة الواجهة، واستدامة النظام وسواء أوعت ذلك بعض الأحزاب والشخصيات المعارضة بنية المعارضة أم لم تعه فهي قد سارت في هذا الخط وأخلطت به عملا صالحا بأخر طالح وصارت بالتالي غير مؤهلة لدخول مرحلة جديدة من العمل السياسي والوطني كشفت عنه ثورة الحراك العظيم.

هكذا بدت لي شخصيا مبادرة كريم طابو  بمراسلته لماكرون بشكل وقلب وعقل مفتوح، ومن خلاله مراسلة كل الفاعلين السياسيين في البلاد، وإذا ظللنا فترة طويلة لا نقوى على قراءة الرسائل السياسية خلف سطورها المكتوبة، بسبب الوصايا على الوعي الذي ظلت تمارسه نخب التحليل والتعليل السياسيين في البلابوهات المغلقة، فإن الفضاء الرحب الذي أتاحه مد الحراك الجارف لكل المتاريس والمحددات للوعي قد أمكننا من الرؤية البعيدة والشاملة التي تحملها رسائل الجادين القاطعين مع أساليب الماضي في انتاج الثبات والاستقرار السلبيين والمميتين للسياسة وللوطن معا !

بشير عمري

كاتب صحفي جزائري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى