ما هي استراتيجية الخارجية الأمريكية لمواجهة الأزمات الدولية؟

نشر موقع “فورين بوليسي” تقريراً بعنوان “توجهات السياسة الخارجية في رؤية مستشار الأمن القومي الأمريكي جاك سوليفان”، للكاتبة آمي ماكينون، وذلك في 18 يناير 2022. يتناول التقرير الرؤى التي عرضها مستشار الأمن القومي الأمريكي “جاك سوليفان” حول قضايا السياسة الخارجية الأمريكية الرئيسية، فيما يرتبط بآليات مواجهة الاستبداد على الصعيد الدولي، وإدارة العلاقات مع روسيا والصين، في ظل استخدامهما لأدوات الإكراه الاقتصادي والتهديد العسكري في المجال الخارجي، فضلاً عن المسؤولية الأخلاقية الأمريكية تجاه شعب أفغانستان فيما بعد الانسحاب، ودون إغفاله -أخيراً- آليات مواجهة التحديات الكبرى المعاصرة العابرة للحدود. ويُمكن استعراض أبرز ما جاء في التقرير على النحو التالي:

1- تعدُّد خيارات واشنطن لمواجهة الاستبداد على الصعيد الدولي: تحدث الرئيس “جو باين” بإسهاب عن الكيفية التي يرى بها الصراع بين الديمقراطية والاستبداد كتحدٍّ معاصر، مما يثير التساؤل عن كيفية دعم تقدم الديمقراطية في جميع أنحاء العالم عندما تكون دول مثل الصين وروسيا على استعداد لاستخدام الإكراه الاقتصادي أو التدخل العسكري للتأثير على الأرض. ويوضح مستشار الأمن القومي الأمريكي “جاك سوليفان” أن آليات مواجهة الاستبداد على الصعيد الدولي متعددة، ويتم المفاضلة بينها بحسب كل حالة على حدة؛ فمثلاً يمكن تقديم الدعم الاقتصادي للدول التي تواجه نوعاً من الإكراه الذي فرضته الصين على غيرها من الدول، وفق ما ذكر التقرير.

2- أولوية الحل الدبلوماسي للأزمات مع عدم استبعاد التصعيد: أشار التقرير إلى أنه مع الحشد العسكري الروسي بالقرب من الحدود مع أوكرانيا، فإن الولايات المتحدة لا تزال تعطي الأولوية للحل السلمي والتواصل الدبلوماسي مع روسيا، مع طرح بعض الأفكار والمقترحات من الجانب الأمريكي على الطاولة لدراستها ومناقشتها. لكن في حال لم تُظهر موسكو بوادر للتراجع فإن ذلك لا يعني استبعاد التصعيد في مواجهتها؛ فواشنطن على استعداد للرد على أي غزو أو تصعيد روسي في أوكرانيا، وبالتنسيق مع الحلفاء والشركاء، حمايةً للمصالح المشتركة.

3- فك الارتباط ما بين توسع الناتو والغزو الروسي لأوكرانيا: يشير التقرير إلى أن التعزيزات العسكرية الروسية كشفت عن التوتر طويل الأمد بشأن توسع “الناتو” ليضم الدول التي كانت في السابق جزءاً من الاتحاد السوفيتي السابق، وهو ما يثير التساؤل عن مدى تراجع الحلف عن سياسة “الباب المفتوح”، وتراجعه عن ضم أوكرانيا أو جورجيا في أي وقت قريب. ولكن في مقابل الأنباء بأن التحالف قد يكون في حاجة لأن يكون أكثر صراحة بشأن هذا الأمر، كحل وسط محتمل لمعالجة مخاوف موسكو؛ فإن ما يؤكد عليه “سوليفان” أن غزو روسيا لأوكرانيا -حال حدوثه- هو أمر منفصل كلياً عن سياسات الحلف وتوسعه، ويتناقض في واقع الأمر مع حق أوكرانيا كدولة مستقلة ذات سيادة، وحقها في الدفاع عن ديمقراطيتها، وهو الأمر الذي يجب التأكيد عليه والدفاع عنه من جانب كل قوى المجتمع الدولي.

4- إمكانية تقديم واشنطن الدعم العسكري لتايوان في مواجهة بكين: مع التهديدات التي تمثلها الصين لسيادة تايوان، والتخوفات من إمكانية غزوها في غضون السنوات الست المقبلة؛ فإن الإدارة الأمريكية، وفق ما يذكر التقرير، تسعى لمواجهة مثل هذا الأمر عبر مزيج من الردع والدبلوماسية، لضمان عدم حدوث عمل عسكري ضد تايوان، أو حدوث أي تغيير أحادي الجانب للوضع الراهن عبر مضيق تايوان، الأمر الذي لا يُستبعد معه أن تعرض الولايات المتحدة تقديم الدعم العسكري لتايوان في حال تعرضها لهجوم من جانب الصين.

5- التأكيد على “السياسة الخارجية للطبقة الوسطى”: وفقاً للتقرير، حدد مستشار الأمن القومي الأمريكي ما وصفه بـ”السياسة الخارجية للطبقة الوسطى” لحماية الوظائف والشركات، فيما إحدى الركائز الأساسية للمنافسة مع الصين هي المشاركة التجارية والاقتصادية، مما قد يثير تعارضاً في رؤية البعض. وأكد “سوليفان” عدم التعارض من وجهة نظره بين التوجهين؛ إذ تدور فكرة السياسة الخارجية للطبقة الوسطى بشكل أساسي حول الاستثمار في مصادر القوة في الداخل، في القوى العاملة والبنية التحتية الأمريكية والابتكار والقدرة التنافسية، وذلك ما لا يتيح خلق طبقة وسطى أمريكية أقوى فحسب، بل يضع الأمريكيين في وضع يسمح بالتنافس على المدى الطويل بشكل أكثر فاعلية مع الصين.

6- استمرار تصدُّر الولايات المتحدة الدول المانحة لأفغانستان: بالنظر إلى تداعيات الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، وفي ضوء حقيقة أن 97% من الأفغان يواجهون خطر السقوط تحت خط الفقر؛ يوضح “سوليفان” أنه تقع على عاتق الإدارة الأمريكية مسؤولية تقديم الإغاثة الإنسانية للشعب الأفغاني لمحاولة تخفيف المعاناة، وتعزيز احتمالات قيام بلد مستقر يمكنه توفير الاحتياجات الأساسية والفرص الحقيقية لشعبه. وأشار المسؤول الأمريكي إلى أن بلاده هي أكبر مانح لشعب أفغانستان، وقد أعلنت مؤخراً عن شريحة تمويلية أخرى تصل قيمتها إلى 300 مليون دولار، وذلك توازياً مع العمل بشكل وثيق مع الأمم المتحدة وبرنامج الغذاء العالمي والمنظمات غير الحكومية مثل “لجنة الإنقاذ الدولية” لمحاولة توفير أكبر قدر ممكن من الموارد للتعامل مع الوضع الإنساني هناك.

7- الضغط على طالبان لضمان احترام حقوق الإنسان والأقليات: وفقاً للتقرير، فإن الولايات المتحدة تؤكد على عدم تقديم الدعم غير المشروط لـ”حركة طالبان”، فلا بد أن ترتبط المساعدات الأمريكية باتخاذ الحركة عدداً من الإجراءات اللازمة لضمان تشكيل حكومة شاملة تحترم حقوق الإنسان والنساء، وتراعي المصالح طويلة الأمد لشعب أفغانستان، وتضمن عدم استغلال أرض الدولة كقاعدة للإرهاب ضد أي دولة أو شعب آخر. وحال عدم حدوث ذلك، فإن البديل هو تقديم المنح والمساعدات للكيانات والجهات الفاعلة المستقلة التي يمكن إمدادها بالمساعدات العينية من غذاء ودواء وغيرها من الضروريات الأساسية، وهي مسؤولية عميقة تقع على الولايات المتحدة والمجتمع الدولي بأسره.

8- إيمان واشنطن بأهمية التنسيق مع الحلفاء والشركاء الدوليين: يوضح “سوليفان” أن تعامل إدارة “بايدن” مع المنافسة الجيوسياسية القائمة، ومع التحديات الكبرى المعاصرة والعابرة لحدود الدول، مثل تغير المناخ، وتبعات جائحة “كورونا”، والانتشار النووي، وتحقيق المساواة الاقتصادية.. وغيرها؛ يكون من خلال العمل مع الحلفاء والشركاء بحيث يتسنى التصدي لكل هذه التحديات، استفادة من قوة العمل مع الأصدقاء بالأساس، وأيضاً الاستفادة من القوة الأمريكية الخاصة المتجذرة أساساً في القوة الأمريكية في الداخل.

9- ارتباط وثيق بين السياستين الخارجية والداخلية للولايات المتحدة: أكد التقرير أن الصلة وثيقة بين السياسة الخارجية والداخلية؛ حيث إن التحديات المعاصرة ترتبط بحياة المواطن الأمريكي العادي، من قبل وضع حد أدنى للضرائب العالمية أو إدارة أزمة سلاسل التوريد أو التعامل مع المناخ أو التعامل مع الإكراه الاقتصادي الصيني. ومن ثم تكون أهمية مراعاة الصلة الوثيقة بين السياستين الخارجية والداخلية بحزم وإصرار، وبما يدعم الفرضية العامة للرئيس “بايدن” بأننا في عقد حاسم عندما يتعلق الأمر بالديمقراطية التي تثبت أنها شكل الحكومة الأنسب للتصدي للتحديات الكبرى المعاصرة، وبما يتيح تحسين حياة المواطنين، وبحسب وجهة النظر التي عرضها مستشار الأمن القومي الأمريكي.

وختاماً، يمكن على جانب آخر بذل جهود مضاعفة لمعالجة جذور الفساد في بعض المجتمعات التي تحارب للحفاظ على أطرها الديمقراطية، ومن خلال -مثلاً- تقديم الدعم لوسائل الإعلام والعناصر المستقلة. وقد وكانت هذه التوصيات هي أحد مخرجات “القمة من أجل الديمقراطية”، وفق ما ذكر التقرير.

 

المصدر: إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى