مبادرات الوفاق الوطني في السودان
الشفيع خضر سعيد

عشرات المبادرات المطروحة في الساحة والمعنونة بحل الأزمة السودانية لا تزال تترى منذ إنقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021 وحتى اليوم. ورغم أن كل هذه المبادرات تعلن أن هدفها الرئيسي هو حل الأزمة السودانية وتحقيق التوافق الوطني، إلا أن بعضها حتما سيزيد الأزمة تفاقما وسيسيّد حالة التَّخالُف والمفاصلة بدلا عن التوافق والمصالحة، مما يعجّل بغَشَيَان الكارثة في البلد، وذلك عندما ينطلق من تصور يتعامل مع ثورة ديسمبر/كانون الأول وكأنها عثرة أو غلطة في مسار السودان السياسي والاجتماعي، ويساوي بين الثوار ومن ثار الناس عليهم، ويتنكر لمبادئ الحرية والسلام والعدالة. والمبادرات حميدة الجوهر والمحتوى، وهي الغالبة، تعلن أن منهجها لحل الأزمة السودانية هو السير في طريق التحول المدني الديمقراطي ومعالجة الإحتقان السياسي والإجتماعي في البلد والذي يُنبي بكارثة ممكنة، وهي في مجملها تكاد تتطابق في الكثير من التفاصيل، وإن جاءت بصياغات مختلفة، إلا أنها حتى اللحظة تسبح تائهة في فضاء المشهد السياسي السوداني، وكأنها تعيش لحظات إنعدام الوزن كما في مركبات الفضاء، لا ترى مرفأ أو مرسى تهجع إليه. ويمكن تفسير حالة التوهان هذه، والتي تصل حد العجز، بالعديد من العوامل منها تفشي حالة القفز بالاختلافات وتباين الرؤى، وهما من طبيعة الأشياء بالنسبة للمكونات السياسية والاجتماعية في البلد، إلى ظاهرة عدم الثقة حد التخوين وعدم الاعتراف بالآخر.

ومن العوامل الأخرى التي تفسر حالة العجز والتوهان، ضعف أو غياب ثلاثية الإرادة والرؤية والأداة، والتي لا بد من توفرها حتى يأتي التصدي للأزمة السودانية ناجعا. وكما كتبنا في مقالات سابقة، نحن ننظر إلى الارادة باعتبارها المحرك والقوة الدافعة، والتي تشكل الخيط الرابط بين المكونات المختلفة للحراك السياسي والاجتماعي، وباعتبارها الترياق الفعال ضد سموم الفشل والتغريب، وبها يتحصن الناشطون ضد الإحباط والإكتئاب والخيبات الفردية، ويستشعرون أهمية وجودهم وحيوية دورهم في معركة التغيير. أما الرؤية، فتتبلور وتتطور من خلال الفعل الجماعي الواعي الذي يبدأ من القاعدة، ويأتي كنتاج للنقاشات الواسعة والعميقة لكل التفاصيل في تلك القواعد، وهي التي يخرج منها برنامج التغيير الذي يحافظ على تكوين البلاد الجغرافي والتاريخي ونسيجها الاجتماعي، ويصون كرامة كل فرد فيها، ويوفر له المأكل والمأوى والأمن وخدمات الحياة، ويحقق له التمتع بالمواطنة تحت سقف السلام والأمان والديمقراطية. والعنوان العريض لهذا البرنامج هو ديمقراطية تعددية حقيقية مرتبطة بتوفير لقمة العيش للمواطن، ديمقراطية تُجترح وفق خصائص الواقع السوداني، تأتي بحكام منتخبين من قبل الشعب، بلا تزوير ولا شراء ذمم، ليكونوا فوانيس في طريق البناء، وليس سيوفا مسلطة على رقاب الناس. ونحن ننظر إلى الأداة، باعتبارها تجسيد تلك الإرادة وتلك الرؤية في الملموس الفعّال، في أوسع كتلة ممكنة، تتجاوب مع نبض الشارع، وتنجز فعل التغيير وتحميه. وفكرة الكتلة الواسعة ليست بالجديدة كليا على المسرح السياسي السوداني، بل سبق وطرحتها عدة مجموعات، وحاولت تجسيدها في أشكال ملموسة. وأعتقد أن التوافق على الرؤية سيسهل من مسألة بناء وتنظيم الكتلة الواسعة. والتوافق، في حد ذاته، ممكن، إذ أن عملية صياغة مشروع الرؤية لن تبدأ من الصفر أو من العدم، وإنما ستستند على أرث هائل من المشاريع والرؤى التي تشبعت بها فضاءات الحراك السياسي والمدني خلال العقود الماضية. وكنا، قد اقترحنا في مقال سابق ماذا لو انخرطت قوى الحرية والتغيير ولجان المقاومة والقوى السياسية والحركات المسلحة والقوى المدنية في حوار للخروج بإعلان مبادئ متوافق عليه، مستمد من أطروحات هذه القوى بما في ذلك ميثاق تأسيس سلطة الشعب والميثاق الثوري لسلطة الشعب، وغيرهما من المواثيق المقدمة من لجان المقاومة؟ وماذا لو بادرت لجان المقاومة بالدعوى لهذا الحوار، وإذا تطلب الأمر، يمكن أن تتولى الآلية الثلاثية، اليونيتامس والاتحاد الأفريقي والإيقاد، دور الميسر والمسهل، على أن تتلقى هذه الآلية دعما مباشرا وملموسا من المجتمع الدولي، مؤسسات ودولا؟
بعض المبادرات في الساحة تنادي بتحقيق مفهوم المصالحة الوطنية، أو الوفاق الوطني. والمفهومان لا يمكن لأي عاقل أن يرفضهما، ولكن في ذات الوقت لا يمكن السماح باختطافهما وإفساد معناهما وتفصيلهما على مقاس الجلاد لا تؤذيان مشاعره ولا ثروته ولا مصالحه. فالمصالحة الوطنية، أو الوفاق الوطني، في العرف السياسي للشعوب، وكما رسخته التجربة البشرية، يتحققان فقط، عندما يتوافق الجميع على خيار انتقالي جاد، بموجبه تتم التصفية النهائية لأشكال الحكم القائم التي قادت للأزمة، وتكوين أشكال جديدة يقننها دستور ديمقراطي يصون حقوق الجميع ويجنب البلاد كوارث الصراعات الدموية والحروب الأهلية. وتجارب الشعوب التي دفعتها ظروف الأزمات لأن تسلك طرق المصالحة الوطنية، تؤكد أن المصالحة تبدأ بتغيير أساسي في جهاز السلطة القائمة ودستورها وقوانينها فتتوفر الحريات الديمقراطية الكاملة دون قيود على الأحزاب السياسية والنقابات والمنظمات الجماهيرية والصحف، ليدلي الشعب برأيه ويتقدم كل حزب واتجاه بما يرى من حلول، ويُبعَد من مواقع المسؤولية الحكومية كل من ارتكب جرائم في حق الشعب والوطن، وتنشر وقائع وحيثيات كل جرائم وممارسات النظام المخلوع، ويعاد للقضاء استقلاله. والمصالحة الوطنية في جزء منها هي بناء للمستقبل، ولتجربة جديدة على أنقاض نظام مستبد، وهي بناء مثمر لمجتمع متصالح مع نفسه وطامح إلى بناء دولة الحقوق والحريات وسيادة القانون. إن أي مشروع للمصالحة الوطنية أو الوفاق الوطني ينبغي ألا يكون مساومة بمبادئ الثورة، أو صفقة بين طرفين أو أكثر من أطراف النزاع، أو يكون مجرد مناورة لانقاذ سدنة النظام المباد، بل أن ينتج عنه إقرار بالأزمة واتفاق على الأسس التي تعالجها بصورة جذرية. وأي مشروع أقل من هذا لا يتفق مع مصالح شعبنا ولا يتناسب مع التضحيات المريرة التي قدمها، وكأنه يستهذي بدماء وأرواح الشهداء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى