متلازمة علم فلسطين وضرورة إسقاط النعش
جواد بولس

شنّت جهات يمينية عديدة هجوما كاسحا على إدارة جامعة «بن غوريون» في مدينة بئر السبع، لأنها سمحت، يوم الاثنين الفائت، لكتلة «الجبهة الطلابية» برفع الاعلام الفلسطينية داخل حرم الجامعة، أثناء الاحتفال بإحياء الذكرى الرابعة والسبعين لنكبة الشعب الفلسطيني.
وكان رئيس بلدية بئر السبع روبيك دنيلوفيتش، أوّل من وجه رسالة شديدة اللهجة إلى رئيس الجامعة البروفيسور دانيئيل حايموفيتش، قال فيها «إن اعلام فلسطين ترفع بفخر. يوجد لدولة إسرائيل علم واحد فقط. لقد تخطوا اليوم خطا أحمر إضافيا. يجب علينا إظهار قيادتنا الواضحة من دون تأتأة. عليّ أن أقول لك: أنا خجلان».
لم يكن تصريح رئيس البلدية مفاجئا لأحد، فقد برز مؤخرا كأحد الشخصيات العامة اليمينية الناشطة في تأليب الرأي العام اليهودي وشحنه بجرعات عنصرية تحريضية خطيرة، حتى إنه أعلن دعمه الكامل لإقامة ميليشيات مدنية مسلحة من أجل إنقاذ النقب من «إرهاب» مواطنيه العرب!
لم يكن رئيس بلدية بئر السبع وحيدا في حملة التحريض على إدارة الجامعة وعلى الطلاب العرب في جامعات البلاد؛ إذ فعل ذلك الكثيرون، وقد برز من بينهم، بسبب مكانته السياسية وحدّة لغته، وزير المالية الليكودي الأسبق يسرائيل كاتس. لا أعرف إذا كانت أجيال هذه الأيام تتذكر تاريخ هذه الشخصية يوم كان، في منتصف سبعينيات القرن الماضي، قائدا يمينيا شرسا في الحركة الطلابية الجامعية؛ وهي الحقبة التي أشار إليها في خطاب الترهيب الأخير الذي توجه من خلاله، من على منصة الكنيست ليل الاثنين الفائت، إلى طلاب اليوم ليذكرّهم قائلا: «لقد حدث ذلك أيضا في نهاية السبعينيات في الجامعة العبرية وفي حيفا وتل أبيب، عندما توهّم العرب في إسرائيل، في أعقاب حرب أكتوبر، أن اليهود أصبحوا ضعفاء، فأقام الطلاب العرب مظاهرات دعم للعدو وضد دولة إسرائيل» ونصحهم أن يسألوا أباءهم وأجدادهم عن ذلك. لا جديد في عالمَي كاتس، الشخصي والسياسي، ولا في حساسيته المفرطة لرفرفة العلم الفلسطيني، ولا في أحلامه بترويض المواطنين العرب أو بتهجيجهم خارج الدولة؛ ورغم ذلك سيبقى لأقواله في هذه الأيام وقع مرّ خاص، لأنها وإن كانت مكرورة من جانبه، تعكس في واقعنا الراهن تعبيرا واضحا ليس عن رأي مجموعات يمينية هامشية وحسب، كما كان يُدّعى في سنوات السبعين، بل عن موقف إسرائيلي، رسمي وشعبي، شبه مجمع عليه. من المؤسف أن تاريخ الحركة الطلابية العربية في جامعات إسرائيل لم ينل حقه من قبل الدارسين، ولم يوثَّق بشكل مهني وكاف؛ على الرغم مما شكّلته تلك الحركة من مشهدية صاخبة ولافتة، ومن حالة نضالية استثنائية عكست نضوج الذين أسسوا لمسيرة تلك التجربة وقادوها بمسؤولية عالية وبتضحيات كبيرة.

يسرائيل كاتس وليل السلاسل

لقد شكّل جيل يسرائيل كاتس ورفاقه في قيادة النشاط الطلابي الجامعي ومنهم، على وجه الخصوص، الوزير السابق تساحي هنجبي، والوزير الحالي أفيغدور ليبرمان، نموذجا مؤسسا للتعامل صداميا مع أعدائهم، الطلاب العرب، حيث تعمّدوا تنفيذ اعتداءاتهم على طريقة الميليشيات الفاشية، بعنف حتى إراقة الدماء أحيانا، وبطريقة مكشوفة للملأ، ثم ساعدوا، في ما بعد، من خلال مواقعهم الحزبية على تطوير ذلك النهج ونقله إلى خارج حدود الجامعات، ليصبح في السنوات الأخيرة سلوكا شائعا ومألوفا تدعمه منظومات الحكم وتنفذه عناصرها الرسمية أو وكلاؤها. ولعل في تجاعيد الماضي فائدة وعبرة ترتجى؛ فأنا وأبناء جيلي كنّا الشهود على بدايات تلك المرحلة. وقصتنا مع ما فعله «أمراء الظلام» طويلة وشائقة، حتى إن استحضار تفاصيلها، الشاخصة أمامنا، يبعث في نفوسنا، رغم مرور السنين، نبض حنين أرجواني لا يبهت، وعبق مغامرات تذكرنا، بحسرة، كيف كنا نقف على ذوائب الريح مصممين أن نُفهم الكاتس وأمثاله، أن الحر لا تأسره السلاسل، وأن هسيس الجن لا يفت من عزم مسافر نحو الشمس، ولا الترهيب يشفي عاشقا من الدنف.
بدأت دراستي في كلية الحقوق في الجامعة العبرية في خريف عام 1974، وكانت، حينها، أعداد الطلاب العرب في الجامعة محدودة. ورغم قلة أعدادهم في الجامعة، استوعب الطلاب العرب، منذ البدايات، بحدس وطني وفطري، معنى بناء وحدتهم وانتظامهم في جسم يمثل مصالحهم ويحمي هوياتهم، فبادروا إلى تشكيل «لجنة الطلاب العرب» في جامعة القدس، ثم تلتها لجان مشابهة في سائر الجامعات. لقد بدأت تلك اللجان الطلابية تلعب، في أواسط السبعينيات، دورا سياسيا محوريا بين الطلاب وعلى المستوى القطري العام؛ وشكلت أنشطتها ومعاركها، إلى جانب «الاتحاد القطري للطلاب العرب»علامة فارقة على خريطة التنظيمات السياسية الفاعلة بين الجماهير العربية داخل إسرائيل، وعاملا رياديا في مقارعة الجماعات اليمينية التي عملت داخل الجامعات الإسرائيلية وكانت معززة بعقائد وبوسائل متّشحة بأردية فاشية واضحة، فكرا وممارسة.  لقد وجدت بين الطلاب العرب في الجامعات حركتان سياسيتان هما «جبهة الطلاب العرب» وكانت بمثابة التنظيم الابن «للجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» حديثة الولادة، وحركة «أبناء البلد» الناشطة كتنظيم قومي يتماثل مع نظرائه من الحركات القومية العربية التي كانت تتمتع بوجود وازن على ساحة السياسة الكبرى. أما بين الطلاب اليهود فقد أقامت المجموعات اليمينية تنظيما طلابيا باسم «كاستل» قاده في ذلك الوقت كل من يسرائيل كاتس وتساحي هنغبي، ومعهما بعض من منفذي الأوامر الطيّعين، ومن بينهم كان أفيغدور ليبرمان. وبالمقابل أسست مجموعة من الطلاب اليهود اليساريين، الصهيونيين وغير الصهيونيين، حركة «كامبوس» التي انضم إليها لاحقا عدد من قادة الطلاب العرب الجبهويين والناشطين، وهذه التجرية بالذات جديرة بمقالة مستقلة في المستقبل.
لن أثقل عليكم بسرد تفاصيل أحداث تلك السنوات المهمة، التي ملأت أصداؤها جنبات البلاد والمنطقة قاطبة؛ ولكن لا بد من العودة إلى تداعيات ما أصبح يعرف في تاريخ النضال الطلابي ضد قطعان الفاشيين «بليل السلاسل» التي كلّما تذكرت تفاصيلها، أو كتبت عنها أشعر بالغثيان وأغضب، لأننا لم نعِ وقتها، نحن المواطنين العرب في إسرائيل، حقيقة النذر التي صاحبت أحداثها، ولم نفهم كفاية أنها كانت في الواقع مؤشرات على بدايات «تهجيرنا» الثاني نحو الشمال، في طريق كان كلّه ليلا وجهلا وتنافسا وخسائر.
تظاهرنا، نحن مجموعة من الطلاب العرب، في مساء يوم مقدسي بارد من شهر كانون الثاني/يناير عام 1979. وقفنا في إحدى زوايا الحرم الجامعي على جبل سكوبوس «جبل المشارف» وهتفنا ضد الفاشيين، جازمين بأن «الفاشية لن تمر» كما كنا نهتف دوما في تلك الأيام. وفجأة هاجمنا عشرات من الطلاب اليهود، بقيادة كاتس وهنغبي وليبرمان، المعززين بزمر من البلطجيين المستورَدين والزعران الوافدين من أحياء القدس الغربية، لينهالوا علينا بالهراوات وبالسلاسل الحديدية، فأصابوا من أصابوا وجرحوا منا العديدين. كان عدوانهم مطابقا لجميع ما تعلمناه في الكتب عن تاريخ الحركات الفاشية؛ لكنه، رغم قساوته، لم يثننا عن الاستمرار في الوقوف ضدّهم، مؤمنين أن «الفاشية لن تمر». لقد اهتزت أركان الجامعة بعد ذلك الهجوم؛ واضطرت رئاستها إلى إقامة لجنة تحقيق أفضت إلى تقديم عدد من الطلاب لمحكمة تأديبية؛ ولكن، هكذا تبيّن في ما بعد، كانت تلك عبارة عن فقاعة أكاديمية تناثرت عراها في جوف الزمن ليبقى شعار «الموت للعرب» هو اللازمة المؤثرة وخريطة إسرائيل الوحيدة الملزمة، لا من على مدرجات ملاعب الكرة وحسب، بل في دفاتر الحكومة وقوانين الكنيست وقرارات القضاء وفي رصاص الجيش؛ فهل حقا الفاشية لن تمر؟

متلازمة علم فلسطين

لطالما أجّجت الرموز الحرب بين إسرائيل والفلسطينيين، وتاريخ هذا الصراع حافل بالامثلة؛ ولكن سيبقى العلم، خاصة في هذه الأيام، هو «ولي الدم» الحاضر وسيّد الفوران. لقد ذكّرنا كاتس بعام النكبة وفعل ذلك قبله بأسابيع الجنرال عوزي ديان؛ فلا جديد في قاموس «القداسة» على هذه الأرض سوى أن من يدعونها لأنفسهم وحدهم بدأوا يهدّدون أعداءهم جهارا ويطلقون عليهم النار من أجلها بلا تردد ولا خوف من العواقب؛ فإسرائيل الغائبة في الأسفار، هي أم تلك السلاسل والهراوات، وانبياؤها اليوم كأنبيائها في الأمس، لا يؤمنون بالليل وسترته. إنهم يقفون أمامنا ويهتفون بلا وجل: إن واجهت عدوّك يا «إسرائيل» اضربه بلا رحمة وبلا خجل وحتى إذا مات فاضرب نعشه حتى يسقط، ليرى العالم وليعتبر أو ليحبس أنفاسه على عتبات الجحيم.. وينخرس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى