متى يستعيد لبنان منطقة الجنوب؟
الياس حرفوش

صحافي لبناني يكتب في جريدة الحياة

كانت الحكومة اللبنانية آخر من يعلم بما كان يجري في منطقة الجنوب نهار الاثنين الماضي. رئيسها حسان دياب قطع اجتماعاته ومواعيده كما قيل، لمتابعة ما يجري. والأرجح أنه فعل ذلك مثل باقي اللبنانيين، عبر الشاشات. وفي ظل تناقض الأخبار والروايات، بين تأكيدات إسرائيلية لهجوم شنه «حزب الله» في مزارع شبعا، ونفي الحزب للرواية و«رثاء» إعلامه لما اعتبرها «حالة تخبط» في إسرائيل، اكتفى المسؤولون اللبنانيون بدور المراقب، وكأن ما يجري، أو ما لا يجري، على أرض الجنوب، يحصل في بلد آخر. كل ما يستطيع لبنان فعله في «مناسبات» كهذه، أن يجري الاتصالات بهدف التهدئة، وهي اتصالات لا تشمل عادة الطرفين المعنيين، أي «حزب الله» وإسرائيل، ثم يرفع شكوى إلى مجلس الأمن، مع أن مصيرها معروف سلفاً. ويترك أمر الحدود الجنوبية وترتيب ما يجري هناك للقوات الدولية، التي تلعب دور شرطي الحدود.

ليس هذا الأمر جديداً على منطقة الجنوب اللبناني، حيث الدولة اللبنانية هي آخر من يعلم. بسبب موقع لبنان السيئ الحظ إلى الجانب الشمالي من إسرائيل، كان الجنوب باستمرار ساحة صراع تفضل الدولة اللبنانية ألا تعرف شيئاً عنها. ترسل جنودها إلى هناك بأعداد محددة، وبتعليمات تقضي بتجنب المواجهة مع أصحاب النفوذ الحقيقيين على الأرض، منذ كان للمقاومة الفلسطينية نفوذ ذات زمن، قبل أن ينتقل ذلك النفوذ إلى «حزب الله»، لتتحول تلك المنطقة في الوقت الحالي إلى إحدى مناطق النزاع البديل بين إسرائيل وإيران.

حتى اللبنانيون الآخرون، من غير أبناء المنطقة الحدودية، نادراً ما كانت تطأ أقدامهم أو إطارات سياراتهم دروب تلك المنطقة، مفضلين أن يسمعوا أخبارها ولا يروها، كي لا تعكر تلك الرؤية مزاج الفولكلور اللبناني الذي كان يسير على قاعدة أن كل شيء في «سويسرا الشرق» بأحسن حال.

لم تسمح التناقضات وخلافات السياسيين اللبنانيين وغياب الاستراتيجيات أن تعتمد الدولة في أي يوم سياسة محددة حيال ما تريد أن تقوم به على حدودها مع إسرائيل. ظنت أنها نجت من ذيول حرب 1967، ومن احتلالات أراضي الدول المجاورة، لكنها ما لبثت أن اكتشفت أن تلك النجاة كانت مؤقتة، عندما أصبحت منطقة الجنوب خاضعة للاحتلال وإحدى ساحات المواجهة الأكثر اشتعالاً في المنطقة.

عمّقت الخلافات بين اللبنانيين صعوبة اتخاذ تلك السياسة الموحدة. في زمن الوجود الفلسطيني في الجنوب، على أثر «أيلول الأسود» وخروج المقاومة أو إخراجها من الأردن سنة 1970، صار الاسم المتعارف عليه لمنطقة الجنوب هو «فتح لاند»، بعدما سمحت الدولة اللبنانية، في مفارقة تاريخية استثنائية، وبرعاية مصرية من الرئيس جمال عبد الناصر آنذاك، أن يتحول جزء من المنطقة الحدودية إلى منطقة عمليات للمقاومة الفلسطينية، في تجاهل كامل لمسؤولية الدولة عن الأعمال والخروقات والهجمات التي تحصل من حدودها، وعلى رغم حال «الهدنة» الذي كان قائماً بين لبنان وإسرائيل منذ عام 1949.

كان لا بد من ثمن لما أقدم عليه السياسيون اللبنانيون من دفن لرؤوسهم في رمال التجاهل لما يجري على حدود بلدهم. وعندما يستعاد تاريخ تلك المرحلة، لا بد أن يستنتج المرء أن ما حصل بعد ذلك كان من الطبيعي أن يحصل: استغلال المقاومة للخلافات اللبنانية حتى أصبحت طرفاً أساسياً في القرار السياسي الداخلي، وصار من الشائع أن يقال إن القرارات الحكومية تتخذ في «جمهورية الفاكهاني» (وهو اسم المنطقة في غرب بيروت التي كانت مقر قيادة ياسر عرفات آنذاك)، وهي للمفارقة لا تبعد كثيراً عن منطقة حارة حريك في الضاحية الجنوبية من بيروت (مقر الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله).

ثم تحول التدخل الفلسطيني المتفاقم في الحياة السياسية اللبنانية إلى سبب لنقمة فريق واسع من اللبنانيين على العمل الفلسطيني وعلى تحالفاته اللبنانية؛ وهو ما أدى بعد ذلك إلى الانفجار الكبير الذي صار اسمه حرباً أهلية امتدت 15 سنة، وإلى قيام إسرائيل بغزو لبنان ثم انسحابها من معظم المناطق ليستمر احتلالها لمنطقة الجنوب عقدين من الزمن.

منعت الشروط المتبادلة التي وضعتها إسرائيل والنظام السوري في ذلك الحين، سلطات لبنان من التفاوض على شروط مقبولة لضمان الانسحاب الإسرائيلي، ما سهّل الطريق أمام «حزب الله» لاستغلال ذلك الوضع وملء الفراغ الذي يزعم الحزب أنه نتيجة عجز الدولة وفراغ المنطقة من أي قوة مقاومة.

وهكذا، عندما نقول اليوم إن جنوب لبنان منطقة لا تصلها سيادة الدولة، بحكم الأمر الواقع الذي فرضه عليها «حزب الله»، فإن ما نفعله هو رواية فصل من تاريخ تلك المنطقة التي لطالما تعاملت معها حكومات لبنان وكأنها أرض صالحة للتلزيم لأي طرف قادر أو مستعد للسيطرة عليها واتخاذ القرارات التي تناسبه فيها، بما يخدم مصالحه.

«فتح لاند» أصبحت الآن «حزب الله لاند»، ومثلما فرضت المقاومة الفلسطينية نفسها طرفاً في المعادلة السياسية اللبنانية بقوة السلاح، وبالتحالف مع فريق من اللبنانيين، يعيد «حزب الله» اليوم الممارسة نفسها إلى ما كانت عليه قبل نحو نصف قرن: يتم اتخاذ قرار بتحويل منطقة الجنوب إلى ساحة عمليات للحزب، بمعزل عن قرار الدولة، أو بتواطؤ مع مسؤولين كبار فيها، بهدف إيصالهم إلى المواقع التي وصلوا إليها. وتصبح حجة الدفاع عن لبنان، بعد اتهام جيشه بالضعف والعجز، ذريعة للإمعان في سلب الدولة سيادتها على المنطقة الحدودية. في حين الدافع الحقيقي هو تنفيذ المصالح الإيرانية التي تقضي حالياً بتخفيف الضغط عن مقاتلي «الحرس الثوري» في سوريا من خلال فتح جبهة أخرى في جنوب لبنان، واستخدام ورقة إشعال الجنوب أو مهادنة إسرائيل بحسب ما تقتضي مصالح طهران.

وبالحجة نفسها يتحول السلاح إلى أداة لفرض النفوذ على السياسة الداخلية، لمصلحة فريق من اللبنانيين رغم إرادة الآخرين. وتوضع المطالبة بتسليم ذلك السلاح للدولة في مرتبة الخيانة، ويتحول شعار «جيش شعب مقاومة» إلى ثلاثية لا تحتمل أي انتقاد أو مراجعة.

التاريخ يكرر نفسه بطريقة مأساوية. واستعادة نهايات الدور الفلسطيني في لبنان مفيدة لاستخلاص العبر. هيمنة السلاح ليست قدراً أبدياً لا يحتمل التغيير، وخضوع الدولة لنفوذ أي قوة خارجة عن إرادتها، وتقاعسها عن تحمل مسؤولياتها، هو وصفة أكيدة لانفجار مقبل، مهما طال الزمن.

*نقلاً عن “الشرق الأوسط”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق