مجلس اليمن الرئاسي: هل يُضحك أم يُبكي؟
صبحي حديدي

منصور عبد ربه هادي لا ينفع كشخصية شكسبيرية على المسرح الدامي للمأساة اليمنية، رغم أنّ ّ»لرئيس بالمصادفة» ليس أفضل صفاته المطابقة للحقيقة والواقع والوقائع، فحسب؛ بل لقد جمع، خلال 10 سنوات قياسية عجاف، من سجايا التراجيكوميدي ما يحسده عليها حقاً كبار صنّاع المشهديات المضحكة/ المبكية في تاريخ اليمن الحديث.
لقد شاءت ترئيسه على اليمنيين مصادفةٌ أولى هي شغور المنصب بعد تنحي علي عبد الله صالح سنة 2012، ضمن مناورة التفاف على الانتفاضة الشعبية؛ وصادق على رئاسته استفتاء أقرب إلى المسخرة، ليس فيه سوى الـ»نعم» المعلَنة التي تضمر الـ»لا» الرافضة لسلطة صالح ونظامه. وشاءت مصادفة ثانية أن تتيح له الفرار من إقامة جبرية فرضها عليه الحوثيون بعد اجتياح العاصمة صنعاء، وبعد أن تخلى طواعية ومن باب الزلفى عن رئاسة لم تكن أصلاً جديرة بالتسمية؛ ثمّ تخلى عن التخلّي وعاد إلى التشبث بالرئاسة، وتمديدها لأنّ أجلها كان سنتين فقط؛ وكان أن استقرّ به المقام في السعودية، راضياً طائعاً مطواعاً.
مآثره، خاصة بعد 2015 حين استطالت رئاسته إلى أجل غير مسمى، كثيرة متنوعة وطافحة بعناصر المضحك/ المبكي على وجه التحديد؛ ابتداء من تسمية علي محسن نائباً له على سبيل تفخيخ مفاوضات السلام في الكويت سنة 2016، مروراً بشقّ المصرف المركزي اليمني وتدشين أولى عوائق تحريك المؤسسات الكفيلة بتذليل مصاعب إيصال المساعدات الإنسانية الملحّة، وليس انتهاء اليوم بإقالة نائبه استجابة للضغوط التي جاءت بذلك النائب أصلاً. وهذا قرار «رئاسي» استبق إعلان هادي التنازل عن صلاحياته (وكأنها كانت، في الأساس، تصلح لأيّ صالح!) لمجلس رئاسي من ثمانية أعضاء، نصف من الشمال ونصف من الجنوب؛ أقرب إلى «كولاج» متنافر عجيب لا جامع يوحّد عناصره أكثر من كونهم عساكر الأمر الواقع أو أمراء حرب ميليشيات خارجية التبعية، وأمّا ما يفرّق شملهم ويضعهم في حال من التصارع فهو وافر وقابل لازدياد.
الأرجح أنّ هذا المجلس، لجهة الفاعلية والجدوى والإفادة بادئ ذي بدء، لن يكون أوفر حظاً من مجالس أخرى عرفها تاريخ اليمن الحديث؛ في سنة 1990 مع المجلس الرئاسي للوحدة، والذي انتهى إلى تدشين الحرب الأهلية بين شمال اليمن وجنوبه؛ والمجلس الذي تعاقد عليه صالح مع الحوثيين، وانفضّ مع مقتله؛ إذا ضرب المرء صفحاً عن مجالس أسبق، في عهود عبد الله السلال وعبد الرحمن الإرياني وإبراهيم الحمدي وأحمد الغشمي، فضلاً عن المجلس الرئاسي في جنوب اليمن سنوات 1969 – 1979.
ومع ذلك، ثمة ما يحضّ على مقدار من التفاؤل بالخطوة الأخيرة التي أقدم عليها هادي، لسبب أوّل أنها جاءت بضغط من الرياض وفي توقيت احتضان المملكة لأعمال مؤتمر خليجي حول اليمن؛ ولسبب ثانٍ، أنها تعقب توصّل المبعوث الأممي إلى هدنة تمتدّ على شهرين، وثبت حتى الساعة أنها يمكن بالفعل أن تُسكت المدافع. ثمة، إلى هذا، سبب ثالث في خلفيات السيناريو الراهن، مفاده أنّ الرياض أقرب من أيّ وقت مضى إلى تركيب تسوية من طراز ملموس، لا يجمع الحوثيين مع قوى الجنوب المتعددة فقط، بل يضمّ الإمارات وميليشياتها أيضاً؛ وأنّ الحوثيين ليسوا في أفضل حال على جبهات القتال، وليس الراعي الإيراني أشدّ استشراساً مع اقتراب مفاوضات فيينا حول برنامج طهران النووي من خاتمة وشيكة.
وإذا صحّ أنّ تركيبة المجلس الرئاسي الجديد تشير، كذلك، إلى مقدار الانقسام في صفوف «الشرعية»، فإنها تشير أيضاً إلى نوع من عزلة مجتمعية بات الحوثيون يعانون منها، وتبدو آخذة في الاتساع واستقطاب سلسلة من التناقضات حول مبتغى واحد هو مناهضة المشروع الحوثي. ولن يكون غريباً أنّ رعاة هذا المشروع في طهران هم أوّل مَن يدرك هذا المآل، ويتبصّر في معالجته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى