محاكمة ترامب وقراءة آلان ليتشمان
إميل أمين

قبل أيّام انطلقتْ في العاصمة الأمريكيّة واشنطن أعمالُ واحدةٍ من أندر المحاكمات السياسيّة في التاريخ اﻷمريكي الحديث والقديم على حد سواء.

محاكمة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، والذي وُجهت إليه اتهاماتٌ تكاد تصل إلى الخيانة العظمى للدستور الأمريكي، ولوظيفته الرسمية رئيسا للبلاد، وجوهر الاتهام يتمحور حول دعوته للتحريض نهار السادس من يناير/كانون الثاني الماضي، والتي أدت إلى ما عُرف بـ”غزوة الكونجرس”.

اﻷسئلة واسعة وممتدة، وفي المقدمة منها ذلك التساؤل الحائر: هل ما يجري من قبل الديمقراطيين، والذين سيطروا على الكونجرس بمجلسيه يهدُف حقا إلى صون الحياة السياسية والدستورية اﻷمريكية، أم أن الأمر ضربٌ من ضروب مطاردة الساحرات؟

الشاهد أنه لا يوجد في الدستور الأمريكي أي نص يتعلق بمحاكمة رئيس أمريكي انتهت ولايتُه، وهذا ما يدفع به الجمهوريون، في حين يُصر الديمقراطيون على الاستمرار في هذه المحاكمة.

المفاجأة التي حدثت في اليوم اﻷول من محاكمة ترامب هي أن التصويت على محاكمة الرئيس السابق ترامب قد حازت على 56 صوتا مقابل 44 رفضوا المشهد. وهذا يعني أن هناك أربعة أعضاء جمهوريين من مجلس الشيوخ انضموا إلى جموع الديمقراطيين الناقمين على ترامب، والساعين في طريق معاقبته.

لم يعُد خافيا على أحد أن الهدف الرئيسي للديمقراطيين، وهو ما يشاركهم فيه عددٌ لا بأس به من الجمهوريين الذين لم يكونوا يوما على وفاق مع ترامب، هو القضاء المبرم على ترامب، وقطع طريق الرجعة إليه، إن فكر يوما في العودة إلى مجال السياسة الداخلية أو وضع عينيه صوب البيت اﻷبيض مرة جديدة.

المُؤكد أن المشهد عبثي وباقتدار، بمعنى أنه حتى الساعة الرئيس الوحيد الذي تم عزلُه من مجلس النواب مرتين، ولولا هيمنة الجمهوريين على مجلس الشيوخ خلال السنوات اﻷربع المنصرمة لكان قد دخل التاريخ كأول رئيس أمريكي معزول رسميا في البلاد.

ومع ذلك، فإنه لا يبدو أن هناك حظوظا ﻹدانة ترامب هذه المرة أيضا، وهذا ما أشار إليه الرئيس بايدن مُؤخرا. ومُنطلق رؤيته يتأتى من أنه من الصعوبة بمكان أن ينضم سبعة عشر عضوا من الجمهوريين إلى الديمقراطيين للحصول على 67 عضوا يُشكلون ثُلُثي أعضاء المجلس لاتخاذ قرار اﻹدانة.

ثم خُذ إليك: كيف سيكون شكل هذه اﻹدانة؟ وهل هي فقط محاكمة سياسية، أم أن اﻷمر يمكن أن يكون جنائيا؟ وهذا هو اﻷمر الحقيقي الذي يخشاه الرئيس ترامب قولا وفعلا؟

من غير تهوين أو تهويل، يمكن القطع بأن هناك عددا وافرا من أعضاء مجلس الشيوخ من الجمهوريين يودون لو صوتوا ضد ترامب، غير أن هذا يعني شرخا عميقا في جدار الحزب الجمهوري، ما يمكن أن يُهدد فرصة إعادة ترشيحهم مرة جديدة.

عطفا على ذلك، فإن هناك أعضاء من الجمهوريين المؤتلفة قلوبُهم، يرهبهم في شأن العداوة لترامب أمر واحد، وهو الخوف والرعب من المليشيات اليمينية التي باتت تهدد حياتهم وأُسرهم. ولهذا، فقد سارع بعضُهم إلى شركات الحماية الخاصة، من أجل ضمان أمنهم وأمانهم.

في هذا اﻹطار، ومع البراءة المُتوقعة لترامب، أو بتعبير آخر عدم المقدرة على إدانته، فإن الرئيس السابق غير المُتوقع لن يغيب عن سماوات الولايات المُتحدة السياسية، وهذا ما يُؤكده البروفيسور اﻷمريكي “آلان ليتشمان”، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة اﻷمريكية في واشنطن، والذي صدقت دوما توقعاتُه بشأن من سيفوز برئاسة أمريكا، وكانت آخر تلك التوقعات حسمه فوز بايدن على حساب إخفاق ترامب.

ليتشمان يخبرنا بأن فكرة ذوبان ترامب وسط الحياة اﻷمريكية الاعتيادية، واختفاءه من على سطح الحياة السياسية أمرٌ لا تُعززه الوقائعُ الراهنة إلا في حالة واحدة، وهي أن يُدان جنائيا ويوضع في السجن، وساعتها سوف يتم حرمانُه من حقوقه في ممارسة الحياة السياسية.

يبدو تحليل البروفيسور ليتشمان مخيفا للحزب الجمهوري، وهنا لا بد من اﻹشارة إلى أمر مُهم للغاية، وهو أن ترامب لم يكن يوما من أعضاء المُؤسسة السياسية اﻷمريكية، ديمقراطية أو جمهورية، وأنه في 2016 قد فرض نفسه على الجمهوريين، والذين قبلوه على مضض.

ما يُخيف الجمهوريين بقُوة هو أن ترامب قد صنع شعبية كبيرة لدى الجماعة البيضاء اﻷمريكية، لا سيما من البيوريتانيين، في مواجهة تيار الجاكسونيين الذين يؤمنون بتعدد الهويات اﻷمريكية، عوضا عن اﻹيمان بفكرة بوتقة الانصهار اﻷمريكية.

على سبيل المثال، فإن خسارة ترامب في جورجيا، لم تمنع من أن يكون الرجلُ صاحب شعبية كبيرة في الولاية، واﻷمر ينسحب على العديد من الولايات، ولعل المفاجأة الكُبرى التي يمكن لترامب أن يُحدثها، موصولة بفكرة تأسيس حزب أمريكي جديد ليُغير نمط المنافسة الحزبية اﻷمريكية، مرة وإلى ما شاء اللهُ، بعدما ظلت على مدى طويل محصورة فعليا بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي.

هل يقودنا هذا التحليل إلى قصة الحزب الجديد الذي يُفكر ترامب في إنشائه، ويبدو أنه اختار له اسم الحزب الوطني؟

في اﻷسبوع اﻷول من شهر فبراير/شباط الجاري، كشف استطلاعٌ للرأي العام اﻷمريكي عن أن معظم الناخبين الجمهوريين اﻷمريكيين أعربوا عن استعدادهم للانتقال إلى حزب جديد بزعامة الرئيس السابق دونالد ترامب.

الاستطلاع الذي أجرته صحيفة “ذا هيل”، أشار إلى أن 64% من الناخبين الجمهوريين أجابوا بنعم عن سؤال هل يمكن أن تنضموا إلى حزب جديد يدعو إليه ترامب.

فيما قال نحو 32% من المستطلعة آراؤهم إنهم سينضمون “على اﻷرجح” إلى حزب جديد برئاسة ترامب.

اﻷرقام المثيرة، وربما المخيفة كذلك للديمقراطيين بحسب هذا الاستطلاع تشير إلى أن 28% من المستطلعين المستقلين، و15% من أنصار الحزب الديمقراطي أبدوا استعدادهم للانضمام إلى حزب جديد برئاسة ترامب.

هل يمكن أن يقوم ترامب على هذه الخطوة السياسية المثيرة؟

العارفين بشخصية ترامب يقطعون بأن الرجل لم ولن يقبل فكرة هزيمته في الانتخابات الرئاسية السابقة، ويدركون أن هناك نحو 75 مليون أمريكي قد صوتوا له، وأن تيارات يمينية عريضة ناقمة على ما جرى.

أضف إلى ما تقدم أن غالبية اﻷجيال الشابة من اﻷمريكيين باتوا يعانون من السأم والضجر من الفساد السياسي الذي يُحلق فوق الحزبين التقلديين، اﻷمر الذي يجعل الفرصة متاحة بقُوة أمام ترامب ﻷن يُؤسس تيارا سياسيا جديدا في البلاد.

هل لدى ترامب رؤيةٌ سياسية ما لما بعد المحاكمة والتي عادة ستنتهي بالبراءة؟

قد يرى الرجلُ أن عليه إعداد شخص آخر من عائلته سيما ابنته إيفانكا لتكون أول سيدة تحكم أمريكا.

وفي كل اﻷحوال، تبقى واشنطن على صفيح ساخن إلى حين إشعار آخر.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى