محاكمة سبعة من شيكاغو
كوليت بهنا

“عندما يسأم الناس من حقهم الدستوري بتغيير الحكومة، سيمارسون حقهم الثوري لتفكيك تلك الحكومة والإطاحة بها”. في دفاعه عن نفسه، سيستحضر آبي هوفمان هذا الاقتباس التاريخي من الخطاب الافتتاحي للرئيس لينكولن سنة 1861 ضمن أحد المشاهد المؤثرة لفيلم محاكمة سبعة من شيكاغو، ويضيف عليه، بأن الرئيس لينكولن لو وقف اليوم في المنتزه الذي يحمل اسمه “لينكولن بارك” في شيكاغو وصرح بمثل هذا الكلام، سيتم اعتقاله ومحاكمته.

يستعيد فيلم The Trial of the Chicago 7 لمؤلفه ومخرجه آرون سوركين، الحائز قبل أيام على جائزة غولدن غلوب 2021 كأفضل سيناريو، وثاني أبرز الأفلام المرشحة لأهم جوائز الأوسكار في أبريل المقبل، قصة التظاهرات السلمية المناهضة لحرب فيتنام التي خرجت في شيكاغو خلال فترة انعقاد المؤتمر الوطني الديمقراطي 1968 والتي ووجهت بقمع شديد من الشرطة.

Font Awesome Icons

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي:

يتمحور الفيلم حول محاكمة قادة هذه التظاهرات بتهم التآمر وإثارة الشغب، وهي محاكمة شهيرة جرت في محكمة فيدرالية وفقا لأحكام قانون راب راون الذي يرد ذكره في الفيلم بكونه قانونا فدراليا سنه البيض الجنوبيون في الكونغرس للحد من التعبير لدى الناشطين السود.

ورغم ذلك سيتم الاستناد إلى أحكامه في هذه القضية كمرجعية قانونية تكمل مهمة تواطؤ الأذرع السياسية والقضائية والأمنية العنصرية والفاسدة الذين قرروا التخلص من هذه المجموعة الشابة.

ينتمي أفراد هذه المجموعة إلى أحزاب يسارية ذات أيديولوجيات مختلفة ظهرت في الستينات، مثل حزب الشباب العالمي وحركة الفهود السوداء وحركة طلاب لأجل مجتمع ديمقراطي وغيرها، وهزت أركان النظام الأبوي العام واليمين المتطرف، وأزعجت المجتمعات المحافظة بمظهرها ورؤاها التحررية وثورتها الثقافية.

المتابع للفيلم، سيكتشف أن المخرج سوركين وكاتب السيناريو المخضرم، الذي جلس لسنوات يراقب عن كثب تحولات المشهد الأميركي والعالمي في السنوات العشر الفائتة، صمم بعين ثاقبة سيناريو محكم في دقته، يمكن اعتباره أنموذجا قابل للمقاربة على حالات عالمية أخرى مع تعديلات جانبية تطال كل حالة وخصوصيتها، واختار توقيتا ذهبيا لطرح فيلمه يمكن اعتباره “ضربة معلم”.

وستصيب الدهشة أي مجموعة حالمة بالتغيير في عدد من بلدان العالم بتقاطع هذا الفيلم مع جوهر قضيتها بشكل أو بآخر، وستشعر وكأنه موجه لها أو صنع لإرشادها، وستكتشف تشابهات في بنية شخصياته الثائرة وتفاصيلها الحيوية، شكلا أو سلوكا أو مضمونا، وبخاصة الفئة الشبابية منهم صانعة التغيير.

فيلم وثقت أحداثه في الستينات، لكن بعض مشاهده مازالت تتكرر اليوم على الأرض الأميركية وفي بلدان أخرى، وسيتذكر أي من الثائرين اللبنانيين أو أقرانهم من العراقيين، وهما أكثر مثالين طازجين يتقاطعان مع محتوى الفيلم، كيف خرجوا وغنوا ورسموا في الساحات، وكيف أحرقت خيامهم وسحلوا وتلقوا الهراوات، وكم عميلا  دس بينهم، وكم عبوة غاز مسيل للدموع استنشقوا، وكم كاميرا تلفزيونية حطمت كي لا يرى العالم الوحشية ضدهم، وكم رسالة تهديد تلقوا، وكم تنفيذا للتهديدات تم بلغة كاتم الصوت.

محاكمة سبعة من شيكاغو، صنف على أنه دراما قانونية، لكنه في الواقع دراما سياسية ودرسا في فهم الروح الثائرة، لم تغب الفطنة عن مؤلفه فاسترسل في إظهار طهرانية زائفة للثوار، بل رسم عوالمهم بتجرد وموضوعية كشبان حالمين، يخطئون أحيانا أو مرارا في تقدير المواقف، ويظهر بعضهم الانتهازية الثورية ومواقف الشجاعة أو الجبن أحيانا، لكنهم لا يغدرون ببعضهم في نهاية المطاف، أو ربما هذا ماتمناه سوركين عليهم.

4752 جنديا قتلوا في حرب فيتنام منذ بدء محاكمة سبعة في شيكاغو التي استمرت 151 يوما، كل ما فعله هؤلاء الشبان وحوكموا لأجله، أنهم نقلوا أفكارا، وجربوا أن يوقفوا المقتلة الكبرى، فيما العالم بأسره يشاهد منذ ذاك الوقت، وما زال يشاهد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى