محاكمة قتلة خاشقجي “تختفي” مثل جثته

كاختفائه وإنكار وجوده، ثم الاعتراف بمقتله وتقطيع جثته وعدم الإعلان عن مكانها للآن، تسير السعودية بسرية تامة، وفق حقوقيين اثنين، في محاكمة قتلة الصحافي الإصلاحي، جمال خاشقجي.

وقتل خاشقجي على يد مسؤولين سعوديين بمقر قنصلية بلاده في إسطنبول، قبل إقالتهم رسميا.

وتتمسك الرياض رسميا، برفض تدويل القضية مثلما تتمسك بعدم إعلان أسماء المتهمين بقتله أو مقار احتجازهم، أو مقر انعقاد محاكمتهم أو ملابسات وظروف جلساتهم، كحالها في تمسكها بعدم معرفة مكان الجثة، والتأكيد على استقلال ونزاهة قضائها.

ولم تعرف مقررة أممية ووسائل إعلام عن المحاكمة إلا جلستين فقط في يناير/ كانون ثاني 2018، وبعدها نضبت الأنباء، باستثناء ظهور مفاجئ لصحيفتين سعوديتين في ذكرى عام على مقتل خاشقجي.

وتحدثت عكاظ والرياض عن وجود جلسات لمحاكمة المتهمين، قدرت بـ8 جلسات بحضور ممثلين محليين ودوليين، دون تفاصيل أيضا رغم مرور عام على الواقعة.

وهذا الاختفاء المصاحب لتلك القضية التي أثارت ضجة كبيرة في العالم نهاية 2018، شهد انتقادات لاسيما تركية وأمريكية وأممية.

وتعاملت تركيا ورئيسها رجب طيب أردوغان، مع القضية منذ البداية باهتمام بالغ ودقة كبيرة، أدت إلى تسليط الضوء العالمي على الجريمة، وسط تمسك مستمر بتحقيق العدالة.

وفي 2 أكتوبر/ تشرين أول 2018، دخل خاشقجي قنصلية السعودية بإسطنبول، لاستكمال إجراءات مرتبطة بزواجه من التركية خديجة جنكيز، ولم يخرج.

وبعد 18 يوما من الإنكار والتفسيرات المتضاربة السعودية، أعلنت الرياض مقتل خاشقجي داخل القنصلية إثر “شجار” مع سعوديين، وتوقيف 18 مواطنا في إطار التحقيقات، ثم 3 آخرين، دون الكشف عن مكان الجثة.

محاكمات “سرية” ومصير كالجثة

وعن إجراءات المحاكمة في السعودية، قال، محمد جميل، رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا: “قضية خاشقجي حازت على اهتمام عالمي ونشر غير مسبوق، لكن السلطات السعودية تصر على سرية المحاكمة وهذا يجعلها باطلة بالمطلق”.

وأكد أن “المتهمين كان لهم دور في الجريمة ويجب أن يعاقبوا لكن ليس وحدهم، هناك من يجب أن ينضم إليهم، من أعطى الأوامر للتنفيذ فلولاه لما وقعت الجريمة”.

وعادة ما تنكر السعودية مسؤولية أحد من قيادات البلاد، وعلى رأسهم ولي العهد محمد بن سلمان عن تلك الجريمة.

وفي 2 أكتوبر/ تشرين الأول 2019، قال بن سلمان، في تصريحات إعلامية: “أتحمل المسؤولية كاملةً، لأن ذلك حدث أثناء وجودي في السلطة”.

وتابع الحقوقي العربي البارز: “حتى تتحقق العدالة بشكل شفاف يتوجب على السلطات السعودية التفاهم مع الأمم المتحدة والحكومة التركية على شكل المحاكمة وفق مبادئ القانون الدولي”.

وختم حديثه قائلا: “في نظر القانون الدولي لا يمكن اعتبار أن هناك محاكمة بالمعنى القانوني إنما مسرحية لإخفاء معالم الجريمة كما حدث في جثة خاشقجي”.

محاولة سعودية لإطالة أمد القضية

واتفق معه مصطفى عزب، المدير الإقليمي للمنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا، قائلًا: “تظل المحاكمة المتعلقة بمقتل خاشقجي تغلفها السرية المطلقة، جلساتها محجوبةٌ بشكل كلي عن الإعلام أو المحامين أو المنظمات الحقوقية، وتفاصيل إجراءات المحاكمة”.

وأضاف: “تطورات التحقيق، ومواعيد عقد الجلسات كذلك مجهولة، حتى أسماء الـمتهمين وقيد ووصف التهم المسنودة إليهم، كل تلك الأمور تتعامل معها السلطات السعودية مثل سرٍّ حربي”.

وتابع: “في ظل واقع القضاء السعودي كل نتائج تلك المحاكمة هي محض تخمينات وتحليلات ناتجة عن تصريحات النظام السعودي، وهو أمر بالتأكيد لا يبشر بخير، ويبدو معه بشكل واضح سعي ذلك النظام إلى إطالة أمد القضية حتى تُنسى مع الوقت”.

وفيما يلي تفاصيل الاختفاء القضائي المثير مع اقتراب ذكرى عام على انعقاد أول جلسة بالرياض، وفق بيانات رسمية وتصريحات صحافية، على النحو التالي:

-3 يناير/ كانون ثاني 2019 (انطلاق بلا تفاصيل)

بعد 90 يوما على وقوع الجريمة، عقدت المحكمة الجزائية بالرياض، أولى جلسات محاكمة قتلة خاشقجي، وعددهم 11 شخصا (لم تسمهم) بحضور محاميهم، وطالبت النيابة بإعدام 5 منهم لم تسمهم أيضا، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية الرسمية واس.

وكانت النيابة في 15 نوفمبر/ تشرين ثاني 2018، أعلنت 17 بندا رئيسيا بشأن القضية، من أبرزها طلب إعدام خمسة من بين 11 مشتبهاً به تم توجيه الاتهام لهم في القضية.

وقالت آنذاك إن أسلوب الجريمة هو عراك وشجار وتقييد وحقن خاشقجي بإبرة مخدر بجرعة كبيرة أدت إلى وفاته، مشيرة إلى أن رئيس فريق التفاوض مع الصحافي الراحل هو الآمر بالقتل، من دون ذكر اسمه أيضا.

وأوضحت أن الجثة تمت تجزئتها من قبل المباشرين للقتل، ونقلها إلى خارج مبنى القنصلية، وتم تسليمها لمتعاون، دون ذكر مكانها.

وفي 5 ديسمبر/ كانون أول 2018، أصدر القضاء التركي مذكرة توقيف بحق النائب السابق لرئيس الاستخبارات السعودي أحمد عسيري، وسعود القحطاني المستشار السابق لولي العهد محمد بن سلمان، للاشتباه بضلوعهما في الجريمة، وطالب بتسليم باقي المتهمين.

– 4 يناير/ كانون ثاني (انتقاد أممي)

مكتب حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، قال، في بيان، إنه لا يستطيع تقييم نزاهة محاكمة خاشقجي، مطالبا بإجراء تحقيق مستقل “بمشاركة دولية”، وهو مطلب تركي لوحت به أنقرة مرارا.

– 8 فبراير/ شباط 2019 (جلسة ثانية بدون إعلام)

كشفت أغنيس كالامارد، المقررة الأممية الخاصة لشؤون القتل خارج القضاء، في تصريحاتها لوكالة “أسوشيتيد برس”، الأمريكية، عن عقد السعودية جلسة ثانية لمحاكمة قتلة خاشقجي، في 31 يناير/ كانون ثاني 2018، بعيدا عن الإعلام.

– 28 مارس/آذار 2019 (خلف الأبواب المغلقة)

دعت كالامارد، في بيان، إلى محاكمة علنية لقتلة خاشقجي، مشيرة إلى أن نظيرتها الحالية “خلف الأبواب المغلقة”، لا تنسجم مع المعايير الدولية، و”غير شفافة”، مطالبة أيضا بالكشف عن مصير جثة خاشقجي.

– 21 يونيو/ حزيران 2019 ( إفلات متهمين)

بعد صمت 4 أشهر، وثق تقرير أممي أعدته كالامار، خرج للنور عدم محاكمة السلطات السعودية لـ“سعود القحطاني”، المتهم الرئيسي في ارتكاب الجريمة.

وقالت إنها استندت إلى مصادر للحصول على أسماء المتهمين وهم: “فهد شبيب البلوي”، و”وليد عبد الله الشهري”، و”تركي مشرف الشهري”، و”ماهر عبد العزيز مطرب”، و”صلاح محمد الطبيقي”، و”منصور عثمان أبا حسين”، و”محمد سعد الزهراني”، و”مصطفى محمد المدني”، و”سيف سعد القحطاني”، و”أحمد عسيري”، و”مفلح شايع المصلح”.

واللافت أيضا أن السلطات السعودية لا تحاكم في الرياض القنصل العام السابق محمد العتيبي، المتورط في تخطيط وتنفيذ الجريمة، والذي أجرى تحضيرات من أجل فريق الاغتيال الذي جاء من الرياض قبيل العملية، ونفى أمام وسائل الإعلام وجود خاشقجي بالقنصلية.

ووفقا للتقرير الأممي، فإن السلطات السعودية لم تحاكم أيضا كلا من المشاركين في فريق الاغتيال المكون من 15 شخصا: “نايف حسن العريفي”، و”عبد العزيز محمد الهوساوي”، و”خالد عايض الطيبي”، و”مشعل سعد البستاني”، و”غالب الحربي”، و”بدر لافي العتيبي”.

وآنذاك، انتقدت الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان السعودية (شبه الرسمية) التقرير مؤكدة أنه “غير محايد وفاقد للمصداقية ومحاولة للتقليل من الجهود التي قامت بها السلطات”.

وأضافت أن “محاكمات المتهمين في هذه القضية جارية وسينالون عقابهم، وأنها حريصة على حضور هذه المحاكمات كما أن هناك ممثلين دبلوماسيين من سفارات بعض الدول يحضرون هذه الجلسات”، دون أن تذكر ماذا حدث.

– 30 سبتمبر/ أيلول 2019 (تمسك بالعدالة)

قال صلاح نجل خاشقجي، عبر تويتر، إن لديه “مطلق الثقة في قضاء السعودية في تحقيق العدالة كاملة بمرتكبي جريمة” مقتل والده.

– 3 أكتوبر/ تشرين أول 2019 (8 جلسات)

قالت صحيفة عكاظ السعودية، في الذكرى الأولى لمقتل خاشقجي، إنها علمت من مصادر موثوقة أن القضاء السعودي عقد حتى الآن 8 جلسات للنظر في القضية، حضرها ممثل لعائلة خاشقجي، وممثلون دوليون، دون تفاصيل أيضا.

كما ذكرت صحيفة الرياض، آنذاك أن “المحاكمة التي مازالت منعقدة”، مشككة في الحملات التي تريد النيل من المملكة رغم توضيح كل جهودها في القضية.

30 أكتوبر/ تشرين أول 2019 (انتقاد أمريكي)

قال مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شينكر، خلال جلسة استماع للجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، إنه تم إبلاغ السعوديين بأن هناك تقصيرا في العملية القضائية لمحاسبة المسؤولين عن مقتل خاشقجي، وفق إعلام.

وكحال جثة خاشقجي التي تدور حولها تكهنات متباينة تارة بأنها تم إذابتها أو إحراقها بعد تقطيعها، تمضي قضية خاشقجي أيضا في غموض مشابه، وفق مراقبين، في مقابل نفي سعودي متكرر يتحدث عن شفافية كبيرة واستقلال قضائي.

(الأناضول)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى