محتشمي خصماً لموسى الصدر
مهند الحاج علي

حصدت الجائحة اليوم، أحد أكثر الإيرانيين تأثيراً في لبنان، وزير الداخلية السابق علي أكبر محتشمي بور (75 عاماً). لكن الرجل الذي لعب دوراً أساسياً في تأسيس تنظيم “حزب الله” في ثمانينات القرن الماضي لم يرحل صامتاً، بل أسهم أيضاً إما من خلال مذكراته أو مقابلات مع باحثين، في تشكيل رواية الاحداث حينها، وكيف بدلت طهران شكل السياسة في لبنان وبالمشرق.

محتشمي الذي بدأ حياته السياسية كطالب شاب لدى الامام روح الله الخميني في حوزة النجف، عُرف كأحد أبرز المنظرين والمتحمسين لتصدير الثورة، ونُقل عنه اعتبار “التصدير”، “أصلاً من أصول الدين”، في إشارة إلى أهميته ووجوبه. خلال توليه منصب سفير الجمهورية الاسلامية في ايران، إلى دمشق (ما بين 1982 و1986)، لعب محتشمي بور دوراً في تأسيس “حزب الله”، من خلال جمع فروع القوى الاسلامية الشيعية (أمل الإسلامية والفرع اللبناني لحزب الدعوة ورابطة الطلاب المسلمين) تحت لواء واحد، حينها.

لكن لمحتشمي دوراً متأخراً أيضاً في إيضاح صورة العلاقة بين القوى الخمينية من جهة، وبين موسى الصدر وحراكه السياسي، من جهة ثانية. وفقاً لهذه الرواية، رأت هذه المجموعة الخمينية في الصدر شخصية طموحة سياسياً، وغير ملائمة مع خط الثورة حينها، رغم أنها لم تسجل انتصارها بعد. كان صدر الثوريين الخمينيين يضيق حتى بمن لديه طموح شخصي، أو رؤية منفصلة عن الخط الجامع الذي كانت تُؤسس له.  لم يجد محتشمي مانعاً من انتقاد الصدر، بل تحدث بصراحة في مقابلات، إحداها مع أراش رايزنجاش في كتاب عن إيران، جاء فيها وصف لوجهات النظر المختلفة حيال لقاء مؤسس حركة “أمل” مع شاه إيران محمد بهلوي عام 1971. كان اللقاء بطلب من قادة بالمعارضة منهم مرتضى مطهري ومحمد حسين بهشتي وعائلات سجناء سياسيين (منهم هاشمي رفسنجاني نفسه وأهالي معتقلين من مجاهدي خلق)، بهدف ثني الشاه عن اعدام هؤلاء. وفقاً لمصادر أخرى في كتاب “شاه إيران وأكراد العراق وشيعة لبنان”، أبلغ الصدر سائليه بعدم فائدة المحاولة لأن الشاه مصر على خطوته. لكن الصدر كان مهتماً بالأساس في الحصول على مساعدات إيرانية لشيعة لبنان على شكل مستشفى أو جامعة، وتلقى وعداً بثلاثين مليون دولار لهذا الغرض.

لكن الشاه لم يف بوعوده المالية وأعدم المعارضين أيضاً. فيما يُشدد سياسيون إيرانيون معارضون حينها على أن اللقاء بالشاه حصل بناء على طلبهم، محتشمي بور لم يتردد في توجيه سهام النقد، واعتباره الاجتماع “نقطة تحول في علاقاتنا مع السيد موسى… كنا نقاتل الشاه، وأغلب علماء الدين تجنبوا لقاءه، لكن هذا الرجل التقاه. رجل كان معروفاً في العالم العربي ويلتقي زعماء عرب، اجتمع بالشاه”. وفي المقابلة المنقولة في هذا الكتاب، شكك محتشمي في رواية الصدر عن إلحاح بازركان وصحابي من أجل عقد اللقاء مع الشاه، “بل أنا متأكد من أن السيد موسى كان يريد لقاءه”.

مثل هذا الكلام من شخصية كانت تلعب دوراً محوراً في الثورة والنظام الاسلاميين، أظهر العداء الكامن حيال الصدر خلال تلك الفترة. دور محتشمي في لبنان ارتكز على تشكيل قوة إسلامية مرتبطة بولاية الفقيه، في حين كان اهتمام الصدر لبنانياً-شيعياً، منصباً على تحويل دور الطائفة وربما التحول الى قطب لبناني. في الكتاب ذاته (صفحة 199-200)، ينقل المؤلف لقاء حصل بين المؤرخ الإسلامي علي دافاني والصدر، شكا فيه الأخير إشكالية العلاقة مع بعض الإيرانيين: “سيد دافاني، لدينا مشكلتان هنا (لبنان). عندما نذهب الى ايران، يتهمنا بعض خصومنا بأننا جواسيس للشاه. وعندما نكون هنا، يتهمنا الإيرانيون بأننا من أنصار السُنّة وجمال عبد الناصر. ماذا علينا أن نفعل؟ ليس بينهم من يُحبنا”.

محتشمي بور، القريب من زعيم الثورة الإيرانية أيضاً، لاحظ نمو التوتر في العلاقة مع الصدر نتيجة رفض الأخير الاعتراف بمرجعية الخميني، وحصرها بالمرجع الخوئي وقبله الحكيم. قرار الصدر هنا ورد الفعل عليه، يُشبه موقف المرجع الراحل محمد حسين فضل الله في تسعينات القرن الماضي حين لم يعترف بمرجعية علي خامنئي، وأراد أن يخط مساره الخاص في الاجتهاد.

محتشمي بور قدم رواية مغايرة عن تلك السائدة في تفسير علاقة الخميني مع الصدر خلال فترة الثورة، رغم أن كلامه جاء متأخراً (هذه المقابلات حصلت جميعها خلال العقد الأخير).

قد لا تكون رواية محتشمي صحيحة تماماً، لكنها قدمت رواية مغايرة عن تلك السائدة، وتحديداً في أدبيات الثنائي الشيعي في لبنان، لإظهار الوئام والانسجام بين مشروعي الصدر والخميني. ومحتشمي، نظراً لانتقاله عام 1972 الى لبنان حيث حل ضيفاً مع رفاقه على منظمة التحرير الفلسطينية، كان أقرب الى المشهد اللبناني من سواه. كما تلتقي هذه الرواية مع أخرى نقلها كاي بيرد في كتابه عن الجاسوس الأميركي في بيروت روبرت آيمز، يدعي فيها أن علي حسن سلامة أبلغ آيمز بأن الصدر تعرض للاخفاء بعد طلب من الخميني (عبر بهشتي) للقذافي نفسه.

روايات عدة باتت تتقاطع عن الاخفاء قبل أكثر من أربع عقود، وتُؤشر الى دور إيراني بالتعاون مع القذافي. ذاك أن الصدر وهمومه المحلية وعلاقاته الإيرانية المتشعبة وتحديداً مع شخصيات مثل بازركان ممن انتهى بهم الامر بالمنفى، كان على طرفي نقيض مع التوجه الخميني اللاحق. وخصومة الخميني التي عبر عنها محتشمي بور، ومردها مواقف سياسية وشخصية، كانت تحولت في حال بقاء الصدر إلى مواجهة حتمية بين مشروعين، محلي وآخر عابر للأوطان لا يرى في لبنان سوى محطة أخرى لقطار تصدير الثورة والنفوذ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى