مخطط التضييق على الثورة..  الأسباب،الأدوات والمآلات
بشير عمري

خرج الناشط الحراكي إسلام بن عطية على صفحته الرسمية، يكشف عما بدا له أنه اعتوار لحق بمسار الحراك وأعجزه عن بلوغ غاياته، منتقدا تصريحا وتلميحا عنترية البعض في المغالاة بمطلب تنحية كل المنظومة، هذا في الوقت الذي أثر فيه جدلا كبيرا قرار المنظومة بتعيين عضو قيادي في حركة مجتمع السلم وزيرا في الحكومة يوم واحد بعد كشف هذا لحزب لموقفه الداعي بتصويت بلا لمشروع الدستور الجديد المزمع الاستفتاء حوله شعبيا في الفاتح من الشهر المقبل.

معطيات تكشف لنا أن بقيا منظومة الحكم في الجزائر لا تزال  تلعب أوراقها الأخيرة في معركة البقاء مجترة في ذلك أساليب الاستقطاب الحزبي التي كانت قد ابتدعتها بعد بتكسير المسارين الانتخابي والديمقراطي نهاية القرن الفائت، ما يكشف عن نضوب تام لخيالها وغربتها عن اللحظة السياسية داخليا وخارجيا، حيث الوعي الشباني والشعبي بضرورة التغيير العميق الذي كرسه الحراك، وبدء مرحلة التمرد الشعبي بقصد تقويض آخر قلاع السيطرة والتدخل في السيادات التي كانت تفرضها قوى الاستعمار القديم على بعض مستعمراتها لا سيما في إفريقيا حيث تخوض فرنسا آخر مراحل هيمنتها .

لكن يبدو لنا أن المنظومة اللاهية في عملية إعادة ترميم صورتها وليسا تجميلها كما كانت تعمل في المرات السابقة، بسبب قوة الضربة التي وجهها الحراك بحث لك يكتفي بتشويه صورتها (اعلاميا ودوليا) بل كسرها بشكل غدا ذلك الترميم مشروعا كبيرا في حد ذاته مع الأسف تريد أن تأخذ المجتمع والدولة ككل إليه من خلال ما تسميه بالتغيير الدستوري.

وهنا ينطرح السؤال العميق كيف استطاعت المنظومة المتهالكة في خلافاتها الداخلية، الفاقدة لكل شرعية شعبية أن توهم البعض من المعارضين باحتياط قوتها، وأن تجر الكثيرين إلى مشروع ترميم نفسها!

في المسارات الثورية في التاريخ تتبدى دوما البداية كمؤشر كبير وواضح للنهاية، وطالما أن العقل يفترض في أن في البدء كانت “الكلمة” أي اللغة فإن الثورة التي لا تخطف عنصر الخطاب في معركة قصب السبق فلن يكون باقي دربها سوى شائكا بل مليئا بالأشواك، هذا ما حرصت المنظومة عليه من الأول عندما أدركت أن سلطة بوتفليقة قد استحالت مقومتها للشعب، سارعت للتخلص منها عبر اللغة بابتداع عبارات لا تستيقيم مع السياسة عملا ولا فكرا، الكمرافقة للثوراة! لكن أهم ما استطاعت المنظومة الظفر به في معركة البداية هي وجوب التزام المسار الدستوري .

ولمن يملك معرفة واسعة بفقه الثورة وقانونها يدرك في أول وهلة أن الثورة في مسار انبساطها لا تستقيم مع شروط مسبقة فهي كما تقتلع الضغاة فهي تقتلع الطغيان في كل وسائله اللغوية والقانونية، وإلا تركت خلفها بذور الشر التي من خلالها يمكن للمنظومة المطاح بها أن تعود وبالتالي تضع الثورة نفسها في خطر التصفية فيما يعرف ف أبجديات الخطاب الاعلامي بالثورة المضادة!

وفي هذا السياق لاحظ الجميع كيف أن بعض الحراكيين (الثوار أو يفترض أنهم كذلك) سقطوا في هذا المطب حين قبلوا المضي في فخ المنظومة بالثورة داخل الدستور! متذرعين في ذلك بالخوف على البلد من السقوط في مواجهة غير محمودة العواقب إن تم تكسير “الدولة” ودخل المجتمع في حرب الهوية المفخخة التي – حسبهم – لن يخرج منها الجميع سالما.

مبرر عضت عليه المنظومة بالنواجذ، واستعملته بإفراط ودون أدنى تفريط في تفريق، تقسيم وبعثرة صفوف الحراك والتشويش على العقل الثوري الناشئ الذي كان يرنو إلى بناء جزائر جديدة بمعيار الحاضر وقديمة بمقايس الوجود التاريخي، وبذلك لا اقتلاع للجذور كما زعم المتخوفون على الهوية ولا ارتهان لمشروع منظومة صفته وعنوانه الأساسيين الابقاء على الوضوع القائم بما يعني الـ لا مشروع! .

خلاصة المسألة الثورية في الجزائر إذن، هي أنها تعيش أزمة على المستوى الذهني والنفسي تدار بأشياء وأدوات اللغة، فالمنظومة تأبى قبول لفظة الثورة فضلا عن قبول أن تكون هدفا لها، لذلك تسارع في كل مرة يثور فيها الشعب إلى تجزئة صفوفه ومطالبه وتبقيه داخل ظلالها المؤسساتية ما ينضب قوى حماسته ووعيه الثوري ويقبل بما يُقدم له وينسى ما كان عليه ان ينتزعه، في مقابل احتراس واهتواس بعض حراس الهوية، كما كان الشأن مع الحراكيين في سياق الثورة البيضاء، من مرحلة التأسيس الثوري بسبب جدل الهوية المفتعل، وهم بذلك يختزلون أزمة الجزائر ويستصغرون حجم وعِظم الثورة في جزئية قالبلة للتوافق مهما احتدم الجدال والسجال حولها.

بشير عمري

كاتب صحفي  جزائري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى