مخيم الهول… الاستحقاق الأهلي المؤجل
حازم الأمين

حدث أن جرت محادثات بين الحكومة العراقية وممثلين عن الإدارة الذاتية الكردية في شمال سوريا هدفها إعادة نحو ١٥٠ عائلة عراقية من مخيم الهول في شمال سوريا جميعهم من الأطفال والنساء، إلى مخيم يأويهم في محيط مدينة الموصل العراقية. أفراد هذه العائلات هم زوجات وأبناء عناصر في تنظيم “داعش”. الخبر أثار امتعاضاً في أوساط الأيزديين، الذين تعرضوا لحملة إبادة للرجال وسبي للنساء والأطفال في إقليم سنجار، والحملة نظمها “داعش” في حينها.

يصلح هذا الخبر مدخلاً لإعادة التفكير بأمرين: الأول مصير عائلات عناصر تنظيم “داعش”، وهم يحملون نحو ٥٠ جنسية، في ظل تنصل معظم الدول التي يحملون جنسياتها من مسؤولياتها حيالهم، والثاني مصير مخيمات اللاجئين التي يقيم فيها مئات الآلاف من أبناء المدن المدمرة على ضفتي الحربين في سوريا وفي العراق. خصوصاً أن المخيمات تقع في بؤس هائل على كل الأصعدة يرشحها لأن تكون بطناً ولادة للإرهاب مجدداً، وهنا نعود إلى عائلات عناصر التنظيم الذين صار أطفالهم في المخيمات فتية ومراهقين، وكبروا على وقع حرمان كبير، وليس بعيداً عن أعين قنوات التنظيم التي ما زالت ترصد ما تبقى من مجتمعه في أنحاء الخلافة المهزومة.

هناك نوع من دفن الرأس في الرمال تمارسه حكومات من المفترض أن تكون صادرة عن منتهى العقلانية والمعرفة بمصالح أهلها. فرنسا ترفض استعادة مواطنيها من مخيم الهول ومن أشقائه من المخيمات. حتى الأطفال منهم تضع عقبات أمام أجدادهم وجداتهم تجعل من إمكان استعادتهم مهمة صعبة. تونس صاحبة الرقم الأعلى لجهة عدد مواطنيها الذين التحقوا بـ”داعش” وأسسوا عائلات في سوريا والعراق أيضاً ترفض عودتهم، وتقيم عائلاتهم جمعيات ضاغطة لاستعادة ما تبقى في جهنم “داعش” من أقارب وأبناء وأحفاد. لكن الحصة الأكبر في هذا النقاش هي للعراق، ذاك أن نحو ٤٠ ألفاً من أصل ٦٠ ألفاً هم عدد المقيمين في مخيم الهول، هم من العراقيين، وجميعهم من النساء والأطفال والفتية. وبهذا المعنى نحن أمام شريحة اجتماعية وأمام بنية عائلية لها امتداداتها في مدن الشمال والغرب العراقي، ولا يمكن إشاحة النظر والاهتمام عن هؤلاء، إذا ما كان لدى السلطات العراقية رغبة في رأب هذا الصدع الأهلي الذي تمثله هذه الظاهرة. فأن يمثل البحث بمستقبل هؤلاء استفزازاً للأيزديين الذين شكل تدفق “داعش” على مناطقهم وجبالهم كارثة حقيقية، فهذا أمر مفهوم، ويقتضي هضمه في تسوية سياسية تشعر معها الضحية بأنه جرى تحصينها من احتمال تكرار هذه التجربة المريرة، وأن محاسبة عادلة تحققت أو في طريقها إلى التحقق، ولكن أن تؤجل السلطات في العراق هذا الاستحقاق تفادياً لاحتقان أهلي يمكن أن تحدثه، فهذا سيكون بمثابة إعطاء فرصة للتنظيم الإرهابي، أو لنسخ أخرى منه، بأن يستثمر بهذه المأساة الإنسانية ويعيد تأسيس الوعي الشيطاني الذي صدر منه.

وإذا كانت سلطات العالم العاقل في حل من التزاماتها حيال مواطنيها من عناصر التنظيم الإرهابي، فالتعويل على العقل في الحالة العراقية تطلب في غير مكانه، لا سيما وأننا هنا حيال طبقات من الأزمات قد لا تجد معها معضلة أهل مخيم الهول مكاناً في سلم الأولويات. لكن في مقابل ذلك فإن الهول استحقاق داهم أيضاً. الأطفال فيه صاروا فتية وهم في طريقهم إلى المراهقة. كثيرون منهم كانوا جزءاً من “أشبال الخلافة” الذي زرع التنظيم في وعي أعضائه شروره، وهؤلاء لن يبقوا في المخيم إلى الأبد، ولن يكون خروجهم منه إلا سعياً للانتقام. وهناك مؤشرات بدأت تلوح على هذا الصعيد، فقد سجلت الإدارة الذاتية الكردية المسؤولة عن أمن المخيم ٧٠٠ محاولة فرار منه خلال سنة، أي بمعدل محاولتين في اليوم!

لقد مضى أكثر من خمس سنوات على هزيمة “داعش”. التنظيم كان بنية أهلية وسكانية، وعلى ضفافه أيضاً طبقات من العلاقات الأهلية التي جرت معاقبتها على أكثر من صعيد. ملايين من سكان المدن العراقية والسورية انتقلوا للعيش في مخيمات ليست بعيدة عن مدنهم، لكنها أيضاً ليست بعيدة المنال عن التنظيم في حال أتيحت له ظروف ولادة ثانية. لكن خطوة واحدة لم تجر للتعامل مع نتائج الحرب على “داعش”. المدن ما زالت مدمرة والمخيمات إلى مزيد من البؤس والحرمان، وعشرات الآلاف من عناصر التنظيم في سجون الإدارة الذاتية الكردية في سوريا أو في السجون العراقية من دون محاكمات وترفض حكومات بلدانهم تسلمهم. ولكن هنا يمكن أن نضيف قضية أخرى عالقة في هذا الملف، وهي أن مئات من النساء الأيزديات لم يعدن بعد إلى عائلاتهن في جبل سنجار، وهن مختفيات في المخيمات أو في مجاهل التنظيم النائم بين الكثبان الرملية في صحراء العراق وفي بر الشام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى