مدارات الفشل في تجديد العمل السياسي بالجزائر
بشير عمري

لا يبدو أن السياسة في الجزائر ستأخد مدارات التجديد والتحديث على الأقل على المستوى المنظور، لأسباب متصلة بطبيعة العقل السياسي الوطني الذي لا يتشكل ويتطور من الأزمات بل هو أداة تشكيلها وتطورها وهنا ينطرح السؤال بجد وحدة عن مصادر تشكيله (العقل) وعيا وحركة، ولا إجابة بعد تصدر من مراصد المشهد ما يجعل الاعتقاد بغرابة شكل السلطة وغرابة العمل السياسي في الجزائر كبيرا ومشروعا بل وعامل توحيد لموقف الشعب.

المثير أيضا في المشهد السياسي الجزائري هو ذلك الشكل الثلاثي الذي ينخرط في عملية تفاعل ظرفي كلما برزت أزمة سياسية كبرى، وأبرز من يظهر هاته الأزمة بطبيعة الحال هو الشعب، إذ لم تتأسس قوى سياسية أو نقابية بوسعها أن تجيش القواعد الجماهيرية وفق وعي ومشروع تكون له الاستطاعة على فرض تصور للدولة غير ذلك المفروض من قبل نواة النظام الصلبة منذ الاستقلال.

فالشعب في الجزائر يشكل بسؤاله العميق حول طبيعة النظام الذي يحكمه، وتوجسه من سلطة الواقع المتخفية ومحاولات فمهمه طبيعة التركيب الذي استقام عليه النظام وسار عليه منذ الاستقلال – يشكل – في حد ذاته موقف سياسي جماعي يعطيه صبغة التنظيم الكبير أو الحزب الأكبر الذي يفتقد للقيادة والبرنامج الموحدين، هذا التجمع الضخم الناشئ من سؤال طبيعة السلطة والنظام في الجزائر، هو من يتحرك كلما توفرت عناصر أزمة من الأزمات ومعه تتحرك تلك الاسئلة الراكدة القديمة فتشعر الأطراف الأخرى المشكلة صوريا وفعليا للسياسية في سعيها للاستثمار في حركة الشعب (الحزب) الأكبر.

أولى تلك الأطراف هي السلطة، التي تعمل في العادة دونما اكتراث لحجم الوعي المتعاظم داخل شرائح وفئات الشعب، على مستويين لاخماد فورة الحزب العملاق أي الشعب وشل حركته، بتأجيج التفاصيل في تناقضاته وتنوعه من ناحية وبتقديم القرابين وكباش الافتداء من داخلها وهذا من خلال الأدوات المؤسسية للدولة كالقضاء، الاعلام والأمن، يشتغل هذا المثلث داخل اللحظة الشعبية الثائرة من اجل استراهاب العيون (بالأمن والبطش) سحر العيون (بالقرابين وأكباش الافتداء التي تحال على القضاء) وكل ذلك وفق خطة اعلامية معبأة ومعدة بإحكام.

هنا يتساء الجميع حول السياسي والحزبي، ما موقعه من ثنائية العراك المستديم شعب – سلطة، في الميادين والشوارع، واليوم على مواقع التواصل الاجتماعي؟

الحقيقة هي أنه طالما أن الشعب لم يزله كتلة سياسية واحدة مرجعيته سؤال السلطة ومن يحكم من؟ والتي تفرز بمنطق البنية ونتائج الآلية أسئلة الغموض في كل محطات التاريخ من مثل سؤال الحرب الأهلية الماضية، من يقتل من؟ ومن يُعَين من؟ ومن يُفسد من؟ فهذا يعني أن التعددية الحزبية في الجزائر التي صار عمرها الأن ثلاث عقود عجزت عن تفكيك طلاسم الوجود السياسي للسلطة، وبالتالي عجزت على المستويين النظري والتطبيقي في وضع السياسة على سكة التغيير بسبب هزائمها المتعددة والمتلاحقة أمام عقل السلطة الأحادي الغنائمي.

أكثر من ذلك تحولت الحزبية في الجزائر من مشروع حل إلى مشروع أزمة أي خالقة للازمات لا الحلول، وهذا لكونها انخرطت في لعبة النظام ومخططاته في تسيير التعددية وفق رؤيته باستعمال التناقضات الحزبية الداخلية كما يفعل مع تناقضات حركة الشعب في انتفاضات الآنية.

وهذا كله ما يفسر سبب تولي الوجوه والأنظار والاسماع في كل مرة يتحرك فيها الشعب بوعي ألم الأزمات، يبحث عمن بوسعه الاطلاع بالحل أي بحثا عن السلطة الفعلية في البلد، باتجاه العسكر، لادراك الجميع أن لا شيء من القرارات يمكن إنجازه من خارج أو من دون قبول هاته المؤسسة التي يمنحها الخطاب التاريخي والوطني وأحيانا المعرفي عمادة بناء الوطن ولاودة الدولة.

وليس يعني هذا في الحقيقة سوى فشل ذريع لمشروع الانتقال السياسي الذي تأمله الشعب بعد انتفاضة أكتوبر 1988، إذ يتضح أن كل ما حدث هو انتقال صوري من أحادية مفتوحة، إلى تعددية مغلقة أو يمكن وصف الظاهر أيضا بكونها انتقال من  أحاية متعددة (أصوات متناقضة داخل الحزب الواحد) إلى تعددية أحادية، حيث أحزاب تمضي في نشاطها وفق إرادة السلطة ومحدداتها ومحاذيرها على كل النطاقات.

هكذا تشكل لأطراف ما تسمى بالعملية السياسبة التي لا يقرها لا فكر وعلوم سياسية، عملت على ترسيخ إرادة النظام في عدم خلق مجتمع سياسي قوي، كما وتمنحه في كل مبرر وذريعة التوصيف الاعلامي القالبة دوما للحقائق بأن تلك الحركات الاحتجاجية الشعبية ليست سياسية بل هي حاملة لمطالب إجتماعية لا غير.

 

وعليه فالحراك الثوري هذا ليس له من جليل الحلول التي يمكن أن يفرضها وليس فقط يطرحها، أجل من أحل تحرير السياسة ليس من قبضة السلطة فحسب بل من صورية الناشط الحزبي الضعيف الذي، كما أشرنا ثبت أنه يخلق الأزمات بوعي منه أوبغير وعي، حيث يُستعمل كما مناشف ومماسح الولائم الورقية في كل محافل النظام وأعارس تجديده لنفسه، ثم يلقى به في سلة المهملات، ولن تبزغ بدائل سياسية ما لم يتداعى الوعي الشعبي لفكرة التنوع والاختلاف السياسي والايديولوجي والثقافي ويؤمن بها، وحسبان ذلك عامل قوة لا ضعف حتى لا يستغل من قبل نظام يرتكز مخططه لمواجهة حركات الشعب على تنضيبها من أهم عناصر قوتها وأبرزها الاختلاف والتنوع الذي يجهل الكثير معناه ومداه وشاكلة نشاطه وهو ما سنتطرق له في مقال لاحق.

بشير عمري

كاتب سياسي جزائري

.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى