مذبحة دير ياسين في عامها الثالث والسبعين
أحمد فائق أبو سالم

“لولا دير ياسين لما قامت دولة إسرائيل”. بهذه الكلمات، لخص زعيم منظمة الـ “إتسل” الصهيونية المسلحة، ورئيس وزراء إسرائيل في الأعوام بين 1977 – 1982م مناحم بيغن، في مذكراته الموسومة بـ “التمرد”، أثر هذه المذبحة الكبير في حسم حرب العام 1948م؛ لتفضي إلى تحقيق هدف (اليشوف) بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وإعلان قيام إسرائيل في الخامس عشر من أيار من ذلك العام، الذي اصطلح على تسميته عام النكبة.

ولا غرابة في أن يتفاخر بيغن بارتكاب عصابته وعصابة (شتيرن) وبمساندة من عصابة (الهاغاناة) مذبحة رهيبة بحق الأبرياء من أطفال ونساء وشيوخ، بطريقة وحشية، وإثارة أجواء من الهلع في القرى والمدن الفلسطينية، أدت في النتيجة إلى هروب جماعي تحت طائلة الخوف، وتهجير الفلسطينيين من أرضهم بعد انتشار أخبار المذبحة وتفاصيلها. وقد كانت القيادة الصهيونية معنية بتضخيم ما جرى في القرية؛ لتجعل من دير ياسين (نذيرا بالنكبة) وفق ما يروي المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابه في كتابه “التطهير العرقي في فلسطين”.

Font Awesome Icons

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي:

وكان سبق وقوع هذه المذبحة، معركة القسطل، التي تكبدت فيها العصابات الصهيونية خسائر فادحة، تضاف إلى خسائرها قبل مطلع نيسان.

إلا أن نقطة التحول كانت في استشهاد قائد قوات (الجهاد المقدس) عبد القادر الحسيني فجر الثامن من نيسان، وزحف الآلاف لتشييعه في مشهد مهيب؛ تكريما له ولنضاله الصلب ومواقفه الوطنية الشجاعة، ما استغلته العصابات الصهيونية، فتوجهت نحو القسطل لاحتلالها وهي تعلم أن المكان مهجور.

ويلتقي حدث الشهادة وحدث المذبحة برمزيتهما في التاريخ الفلسطيني، ففي حين يرمز استشهاد القائد عبد القادر الحسيني إلى التضحية والفداء، ومقاومة الاستلاب للأرض، فإن مذبحة دير ياسين ترمز لكون الشعب الفلسطيني ضحية الاستعمار والوحشية الصهيونية وتجلياتها.

وأصدق تعبير عن ذلك ما تداولته الروايات عن قتل الناس دون تمييز، وإجبارهم – تحت تهديد السلاح – على الاصطفاف إلى جانب الجدران والحوائط، لرميهم بالرصاص صغارا وكبارا، وتفجير البيوت بساكنيها، واقتراف أفظع الانتهاكات الأخرى والتنكيل بالأسرى والطواف بهم في أحياء القدس إمعانا في الإذلال.

ويمكن القول إن هذا المستوى العالي من الجريمة، والإبادة الجماعية، مستمد من الفكر الاستعماري للحركة الصهيونية العالمية التي تطلعت إلى استعمار فلسطين في مؤتمرها الصهيوني الأول في مدينة بازل بسويسرا عام ١٨٩٧م بقيادة زعيمها ومؤسسها ثيودور هرتسل، وغرست منذ بدايتها بذور الكراهية للعرب في الشخصية الصهيونية.

وبعد قيام الدولة اليهودية، التي حلم بها هرتسل، وغذى هذا الحلم وزير خارجية بريطانيا (بلفور) في تصريحه المشؤوم، وتبني سلطات الانتداب البريطاني المشروع الصهيوني بالدعم اللامحدود في مقابل قمع الحركة الوطنية الفلسطينية، ما لبث قادة العصابات الصهيونية أن صاروا قادة رفيعي المستوى في الجيش الإسرائيلي، أو تقلد بعضهم مناصب حكومية عالية وفي مقدمتها منصب رئيس الوزراء، ومارسوا نفس النهج العنصري تجاه الشعب الفلسطيني في محاولة مستمرة لطمس روايته التاريخية ومواصلة الحرب على ذاكرته وهويته الوطنية؛ لتسويغ الرواية الصهيونية المؤسطرة، في تنكر فاضح للظلم التاريخي والتدمير الوطني والسياسي والاجتماعي الذي سببه التطهير العرقي لشعب فلسطين واقتلاعه من وطنه التاريخي، وإحلال المستعمرين الغرباء مكانه.

ولم يتوقف مسلسل الجرائم والمذابح التي واصلت إسرائيل ارتكابها بحق الفلسطينيين، طوال عقود، من الطنطورة وكفر قاسم وعشرات المذابح التي بلغت ذروتها في مذبحة (صبرا وشاتيلا) عام ١٩٨٢م، وما بعدها وحتى هذا اليوم، ما فتئ الاحتلال الإسرائيلي يستبيح الدماء الفلسطينية، ويمارس التصفية الجسدية والإعدام الميداني لسحق إنسانية الفلسطيني وكرامته، ولجم تطلعاته إلى الحرية والاستقلال واسترداد ما ضاع من أرضه ومقدساته، والتلويح المستمر بالتهجير القسري.

ولم يعد خافيا على أحد أن الاحتلال الإسرائيلي لن يكف عن مواصلة البطش والاعتداء على حقوق الفلسطينيين وحياتهم وأرواحهم، والاستحواذ على الأرض لحساب المشروع الاستيطاني الاستعماري، خاصة أن الواقع العربي يشهد أسوأ حالاته من التمزق والتجزؤ والتفتت والصراعات الداخلية والاستقطابات الإقليمية، والفساد والاستبداد، وأن الواقع الفلسطيني أيضا ليس بالصورة المرجوة من التماسك والتلاحم الوطني والزخم النضالي، وقضيتنا الفلسطينية تمر في منعطف حاد وخطير، من محاولات التصفية والتذويب، واستفحال المؤامرات والصفقات المشبوهة وعلى رأسها صفقة القرن.

وليس من خيار للشعب الفلسطيني أمام الهجمة الاحتلالية الشرسة، إلا الصمود والثبات، والإيمان بحقه في أرضه التي يتوغل فيها الاستيطان، ويستشري فيها التهويد وانتهاك المقدسات، ولم تكن المذابح التي استهدفت وجوده وكينونته لتفت في عضده، رغم الجراح والآلام، وكان في كل مرة، ينهض من قاع المأساة إلى أفق التحدي، والتشبث بحلم العودة وأمل الحرية والاستقلال.

فالداء ليس له دواء إلا الإباء كما قال الشاعر إبراهيم طوقان، لتبقى جذوة الكرامة متقدة، وفاء لشهداء دير ياسين وكل الدماء الزكية التي سالت على هذه الأرض الطيبة.

وستبقى دير ياسين ماثلة في الذاكرة بعذابات أهلها وتضحياتهم، وستبقى أيضا وصمة عار على جبين كيان أسس على أنقاض شعب آخر تمتد جذوره في بواطن أرضه منذ آلاف السنين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى