مرحلة الاختبار بين القيادة الأميركية وتعدد الأقطاب
عبد الوهاب بدرخان

لا بدّ لأميركا من خوض الحرب الباردة جيوسياسيا وعسكريا لتوطيد زعامتها وتعزيز تحالفاتها على مرّ عقود لكنها اختلّت بالأعوام الأخيرة.

في هذا الصراع سيكون لوباء «كورونا» بمثابة «قطب» آخر دورٌ يلعبه أيضاً بعدما أصبحت اللقاحات وسيلة أخرى لممارسة النفوذ الاستراتيجي.

مزيج من سياسات أميركية قديمة وجديدة في الاختبار المقبل للقيادة الأميركية العائدة والقطبين الروسي والصيني اللذين أحرزا اختراقات دولية يريدان توسيعها.

*     *     *

حفلت خطابات الرئيس جو بايدن والأعضاء البارزين في فريقه بالإشارات إلى «عودة» الولايات المتحدة إلى زعامة/ قيادة العالم، ما عنى أن هذه المكانة تعرضت للتراجع في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، وكان الأخير قد اعتمد قبل أربعة أعوام وطوال ولايته شعار «أميركا عظيمة مجدداً»، موجّهاً نقداً شديداً لسياسات سلفه باراك أوباما التي اتهمها بالإخلال والفشل في الحفاظ على العظمة الأميركية.

وبعدما أصبحت القوة العظمى الوحيدة، غداة تفكك الاتحاد السوفييتي مطلع تسعينيات القرن الماضي، يتفق مؤرّخون ومحللون عموماً على أن مرحلة أفول الولايات المتحدة بدأت فعلياً في عهد جورج بوش الابن، تحديداً بسبب خوضه حرباً ضرورية، لكن غير مدروسة ضد الإرهاب، وتورّطه في غزوَين واحتلالَين لأفغانستان والعراق.

وفي الأثناء كانت روسيا والصين تراقبان تعثّرات أميركا، وتصطادان في أخطائها، وتوسّعان استقطاباتهما ومصادر قوتهما.

عندما تسلّم أوباما مقاليد السلطة، غداة الأزمة الاقتصادية المالية، كانت الصين قد بلغت مستوى مهمّاً من النفوذ التجاري والمالي حتى داخل أميركا نفسها، وبدأت تترجمه إلى نفوذ سياسي، أما روسيا فكانت تواصل تطوير تسلّحها.

اهتمّ أوباما داخلياً بإعادة الاستقرار إلى الأسواق وتعديل النظام الصحّي، وكان هاجسه الخارجي أن يتجنّب أي حرب جديدة ويخفض عدد الجنود الأميركيين المنتشرين في العالم.

وإذ حاول ضبط سباق التسلّح بمعاهدات جديدة مع روسيا، فقد انخرطت إدارته في مفاوضات صعبة وطويلة للحدّ من الاختراق الصيني للاقتصاد الأميركي من دون أن تنجح، إلا أن أزمات أوكرانيا وسوريا وليبيا كانت عناوين فاشلة في سياسته، لذا اعتبر أن إرثه الوحيد يتمثّل بالاتفاق النووي مع إيران.

لكن هذا الإرث وغيره تعرّض لنقض جراحي من جانب خلفه ترامب، الذي انطلق عهده واستمرّ عملياً بمهادنة لروسيا لم ترتقِ إلى وفاق معها بسبب ما قيل إنه تدخّلات سيبرانية لا تزال أشباحها مهيمنةً على السياسة الأميركية.

واستخدم ترامب سلاح العقوبات والضرائب ضد الصين، لكن لحظة حصوله على اتفاق تجاري مناسب معها توازت مع بداية تفشي وباء كورونا، ومذّاك لم تفسد العلاقة مع بكين فحسب، بل شهدت تصعيداً ينذر بمواجهة عسكرية في بحر الصين. غير أن ترامب أشار يوم انتهاء ولايته إلى أنه سيُذكر لاحقاً كرئيس لم يورّط أميركا في أي حرب.

هذا صحيح ظاهرياً، لكن نُذر المواجهة وأسبابها تبقى ماثلةً في عهد بايدن، إذ كان لافتاً في شهادة وزير خارجيته أنتوني بلينكن أمام اللجنة الخارجية في مجلس الشيوخ، أنه أيّد بلا تحفظ سياسة ترامب حيال الصين، ولم يكن داعية انفتاح على روسيا أو وفاق معها.

تبدو الإدارة الجديدة موقنةً بأن العالم أصبح في خضم حرب باردة جديدة، وأن ترامب كان يتجاهلها بحثاً عن اتفاقات تجارية، لكن لا بدّ لأميركا من خوضها بجوانبها كافةً، خصوصاً الجيوسياسية والعسكرية، سواء لتوطيد زعامتها أو لتعزيز شبكة التحالفات التي بنتها على مرّ العقود الماضية، لكنها اختلّت في الأعوام الأخيرة.

سيكون هناك مزيج من سياسات أميركية قديمة وجديدة في الاختبار المقبل للقيادة الأميركية العائدة والقطبين الروسي والصيني اللذين أحرزا اختراقات دولية يتمسّكان بها ويريدان توسيعها.

وفي هذا السباق (الصراع) سيكون لوباء «كورونا»، بمثابة «قطب» آخر، دورٌ يلعبه أيضاً بعدما أصبحت اللقاحات وسيلة أخرى لممارسة النفوذ الاستراتيجي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى