مساهمات المجتمع الدولي في الاحباط السياسي الفلسطيني
د . ســليمان عيسى جرادات

باحث  / رئيس الهيئة الفلسطينية لحملة الدكتوراه في الوظيفة العمومية

 

لكل مرحلة من مراحل الحياة الفلسطينية خاصة والعربية عامة تختزل كلمات او مفردات بمؤشرات لظروف اللحظة ، ويكثر ترديدها ولعل ما وصل اليه الشعب الفلسطيني والقيادة الفلسطينية من ” إحباط سياسي ”  رؤساء ومرؤوسين تعتبر من بين الكلمات والمصطلحات وفي الكتابات والتحليلات الثنائية والجماعية الأكثر شيوعاً وترديداً على الأفواه خلال المرحلة الراهنة وما قبلها لعدم جدية الموقف الدولي بدعم الحقوق الفلسطينية بالشكل الواجب اتباعه في القضايا الدولية  فالقادة السياسيين والحكوميين الفلسطينيين اصبحوا يعتمدون بشكل مستمر على حنكة التعامل مع الازمات والمؤامرات الخارجية التي تحاك ضد القضية الفلسطينية بمنهج استراتيجي تخطيطي بعيد المدى في ادارة معركة الصراع على الحق والثوابت الفلسطينية بالرغم من الوضع الحالي واستمراره وما ينتج عنه تخلخل في حياة المواطن بشكل عام وفي حياته الاقتصادية بشكل خاص .

 

وما من شخص مسؤول او صاحب علاقة مباشرة على مستوى محلي او اقليمي او دولي يقابل شعبياً ورسمياً إلا وهو يتحدث عن حالة الإحباط التي تسود فئة كبيرة من المجتمع المحلي الفلسطيني التي تراكمت وما زالت على المواطن الفلسطيني أثقال من الهموم والمضايقات والانتهاكات المتلاحقة محلياً وإقليمياً ودولياً منذ الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية ، وأنه كلما تجاوز الشعب الفلسطيني تلك الحالة من الإحباط بإرادة اقوى وبعزيمة فوجئ بأخرى أشد مرارة واقسى وطأة مما سبق ،  والبعض يرى في هذا علاقة عكسية تدل على أن المواطن الفلسطيني يفقد أمله بمن حوله العربي والإسلامي والدولي ، رغم كل ما عاناه ويعانيه لا يزال الفلسطيني يضع لنفسه برنامجاً حياً ويتمتع بقدر من الإحساس غير المفقود بالأمل حتى لو كان إحساساً سلبياً ، وفي هذا اعتراف مباشر بأن الإحباط السياسي الذي ولده الاحتلال والقوى الدولية ومن يدعمه من الدول المأجورة اقليمياً وتنصل الادارة الامريكية من مصداقيتها بالحديث عنه بات علناً ، والخطورة ليست في شيوع الخيبة والإحباط السياسي لدى الساسة والمواطن والتي أصبحت تزداد بنسب عالية في براثنها وما ينتج عن ذلك من سلبية واستسلام للأمر الواقع الذي يقاوم بحنكة سياسية من الرئيس محمود عباس والقيادة الفلسطينية والشعب من خلفهم اعطاء المجتمع الدولي فرصاً متعددة وعلى وجهات مختلفة تمسك بحل الدولتين على اساس القرارات والشرعية الدولية الصادرة عن مجلس الامن والجمعية العامة والمنظمات الدولية التي تتعامل بازدواجية العمل السياسي والدعم الإنساني في فلسطين في كفة ومختلف القضايا العالمية الأخرى في كفة أخرى التي تتعامل بمسؤولية عالية في تنفيذ وحل قضاياها.

 

حالة اليأس والإحباط والضعف والانهيار والتخبط التي ظهرت في خطابي الرئيس الامريكي دونالد ترامب ورئيس وزراء الاحتلال الاسرائيلي ، وردات الفعل الحكيمة والمدروسة للرئيس محمود عباس والقيادة وموقف الفصائل جميعها والمجتمع الفلسطيني والتفافهم حول الثوابت والحقوق  ستشتد وطأتها خلال الفترة القادمة باتخاذ قرارات تحاول أن تحبط الموقف بتنفيذ بعض البنود في صفقة القرن لضرب الثوابت والحقوق الفلسطينية واشتداد حالة العداء للرئيس الامريكي المنسجم مع اليمين المتطرف وسياسات وإجراءات الاحتلال الاسرائيلي الممنهجة والتي سيزداد عدوانها على الشعب الفلسطيني على الارض واستفزازاته لقيادته وتنكرها وتنصلها لأي من الحقوق الفلسطينية المستندة على الصمود والثبات والمتمسكة بالقرارات والمرجعيات الدولية وما اعلنه اخيراً ترامب وفريقه المتصهين من صفقة مصيرها الفشل كبقية المؤامرات الاخرى والتي لم تكف عن الدعوة إلى تغييب هذا الشعب من الخارطة السياسية وتصدير الإحباط إلى أبنائه ، والشعب العربي اصبح يعيش الاحباط نفسه في مجتمعاتهم لتدخل القوى الكبرى في سياسات ومواقف تلك الدول في تسير الحكم فيها.

 

ان الرئيس محمود عباس والقيادة السياسية والحكومة الفلسطينية والشعب الفلسطيني عبروا عن موقفهم الرافض والثابت على الثوابت الفلسطينية وينظرون الى امل كبير في اعادة الثقة بالمجتمع الدولي من خلال افشال صفقة القرن التي أعلن عنها من قبل الادارة الامريكية بحضور رئيس وزراء الاحتلال بحفلة سياسية هزيلة اقيمت في البيت الابيض ، وعدم التعامل معها لأنها لا تستند لأي من القرارات والمرجعيات والشرعية الدولية لتحقيق حقوق الشعب الفلسطيني  ، وإنجاح الجهود للمرحلة المقبلة في معركة القيادة الفلسطينية بإصدار قرار دولي يلزم الاحتلال الاسرائيلي على تنفيذه بإنهاء الاحتلال على الاراضي الفلسطينية ،واتخاذ موقف حازم وواضح من قضية القدس كعاصمة فلسطينية على الرابع من حزيران والالتزام بحل قضية اللاجئين وفق القرارات الدولية ، ووقف التوسع والبناء الاستيطاني والمصادرة بناء الجدار  ، والابتعاد عن شروط والابتزاز السياسي ، ووقف التدخلات الاقليمية والمتربصين للقضية الفلسطينية ، وتكريس الوحدة الوطنية الفلسطينية بإنهاء ملف المصالحة الفلسطينية الداخلية لأدراك بأن ثمة فرقاً ، وفرقاً كبيراً بين مصالحنا ومصالحهم ، بين أهدافنا وأهدافهم ، ولا يجوز في مثل هذه الأجواء الملغومة بالخوف من المستقبل والإحباط من المجتمع الدولي أن يستسلم الشعب الفلسطيني لأعداء استقلالهم وحريتهم ، وان الشعب الفلسطيني على استعداد دائم للتعايش مع كل المخلوقات السياسية البشرية بمختلف الاتجاهات للخارطة العالمية الجغرافية ، لكنه يرفض أن يقتلعه الأعداء ومن يساندهم من جذوره ، أو أن يوضع في دائرة الامر الواقع ، الذي يريد كبقية البشر والذين يعتزون بأوطانهم وبانتمائهم إلى دولهم وأمتهم وتخلصهم من عقد النقص ومن الشعور الباهظ بالإحباط والمظلومية التي وقع بها خلال العقود الماضية.

 

وأخيرا صفقة القرن ظلم سياسي وانتهاك صارخ وقعت به كافة المكونات الدولية لعدم تنفيذ المرجعيات والقرارات الدولية الخاصة بالقضية الفلسطينية لأكثر من سبعون عاما مضت أسوة ببقية دول العالم الاخرى التي تعرضت لظلم بزاويا متعددة ، وعليه فإن الفلسطيني الذي تجذر على مدار السبع عقود ماضية على ارضه وتمسكه بحقوقه كاملة وسيحمل معاناته لوحده وهو من يغير ويصنع بيديه وبنفسه التاريخ للعالمين العربي والإسلامي لأنه يدفع فاتوره التواطؤ والانحطاط والتآمر على الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة ، فالمؤكد أن الإحباط الخارجي من الاشقاء ومن دول الاقليم والدولي يلعب دورا بامتياز ويصدر عبر دعم تلك الدول لمصالحها ولسياسات الاحتلال الاسرائيلي تارة عبر استخدام الفيتو وتارة عبر اضعاف قراراً دولياً وتارة عبر رسائل استعراضات عسكرية ، وتارة من خلال مؤامرات شقيقة اقليمية وتارة عبر بعض الحملات الإعلامية الداخلية والخارجية المنظمة للتشهير لا تعرف التوقف ليل نهار لإشعار العالم بأن الفلسطيني عليه التأقلم بواقعة الحالي وانه إنسان عليه العيش في بلاد غير بلاده وحياة غير حياته وأن يكون مستمعاً ومنفذاً ومدعوماً برغيف خبز او غيره ، ووطنه المسلوب أن يكون سوقاً رائجة لكل مستوطن يهودي يأتي ليستقر على انقاذ طفل او شيخ او امرأة فلسطينية او بيت او شبر ارض محمولاً من آخر بقاع الارض ليسهم في وضع ظروف تهدد مستقبل شعب ومنطقة بكاملها والتي لا تقدر القيادة والحكومة والشعب الفلسطيني ان يبقى ضحية وصامتا عليها طويلا .

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى