مستقبل الاقتصاد العالمي عقب الرفع الأمريكي المتتالي لأسعار الفائدة
سنية عبدالقادر نايل

في الوقت الذي تتكشَّـف فيه تطـورات الأزمة الروسية الأوكرانية، كان الاقتصاد العالمي بصـدد تصحيـح أوضاعـه، لكنـه لم يشهد تعافياً كامـلاً مـن جائحـة “كوفيد–19″، وتباعـدت مسـارات التعافي الاقتصادي بصـورة ملحوظـة بيـن الاقتصادات المتقدمة مـن ناحيـة واقتصـادات الأسواق الناشئة والاقتصادات الناميـة مـن ناحيـة أخـرى؛ ما أثار العديد من التداعيات الاقتصادية الهامَّة التي كان أبرزها ارتفاع مُعدَّلات التضخُّم في العديد من الدول؛ حيث أجبرت مُعدَّلات التضخُّم المرتفعة العديد من البنوك المركزية على اتباع سياسات نقدية تشدُّدية.

فبعد إبقاء مسؤولي بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعارَ الفائدة بالقرب من الصفر منذ مارس 2020، عندما أدت جائحة كورونا إلى تراجع الاقتصاد الأمريكي؛ أعلن الفيدرالي الأمريكي في مارس الماضي عن أول زيادة في أسعار الفائدة منذ عام 2018. وتوقَّع صانعو السياسة النقدية ستة تحركات أخرى لأسعار الفائدة الأمريكية على مدار عام 2022 مع وصول التضخُّم أعلى مستوى خلال 40 عاماً. وهو ما يطرح العديد من التساؤلات حول مستقبل الاقتصاد العالمي في ظل التحرُّكات الأمريكية الأخيرة.

احتواء التضخُّم

دائماً ما تسعى الولايات المتحدة إلى الحفاظ على التضخُّم تحت السيطرة واستمراره عند مستهدفات الفيدرالي الأمريكي البالغة 2%؛ لذا يتبع مجلس الاحتياطي الفيدرالي سياسات نقدية تشدُّدية (رفع سعر الفائدة) لإبقاء الأسعار المتزايدة تحت السيطرة، وهو ما طبَّقه منذ بداية العام الجاري؛ فقد أعلن البنك المركزي الأمريكي، يوم 4 مايو الجاري، عن أكبر زيادة في أسعار الفائدة منذ أكثر من عقدين؛ حيث تم رفع سعر الفائدة القياسي بمقدار نصف نقطة مئوية، إلى نطاق يتراوح بين 0.75% و1% بعد زيادة طفيفة سابقة في مارس الماضي؛ وذلك في إطار محاولات كبح جماح التضخُّم الذي يشهد ارتفاعات متتالية خلال الفترة السابقة على إثر تداعيات الأزمة الروسية الأوكرانية.

فقد شهد التضخم الأمريكي ارتفاعاً ملحوظاً منذ بداية العام الجاري ليتخطى 7.5% على أساس سنوي، حتى سجل 8.5% في مارس 2022 على أساس سنوي بعد ارتفاع بنسبة 7.9% من فبراير 2021 إلى فبراير 2022. وكانت الزيادة البالغة 8.5% أكبر ارتفاع لمدة 12 شهراً منذ ديسمبر 1981. وأصبح ارتفاع معدلات التضخـُّم شاغلاً أساسيّاً في العديـد مـن الدول؛ ففي عدد مـن الاقتصادات المُتقدِّمة، بمـا في ذلـك الولايات المتحدة وبعـض الدول الأوروبية، سـجَّل التضخُّـم ارتفاعـاً غيـر مسـبوق فيمـا يزيـد علـى 40 عامـاً؛ مـا سـيؤدي بالبنـوك المركزية إلى تشـديد سياسـاتها علـى نحـو أكثـر حـدة.

تداعيات ممتدة

ينطوي قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي رفع أسعار الفائدة على عدد من التداعيات الممكنة بالنسبة إلى اقتصاديات الدول المتقدمة. وتتمثل أبرز هذه التداعيات فيما يأتي:

1– تعزيز مكانة الدولار الأمريكي: مع ارتفاع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة، بدأت سندات الحكومة والشركات الأمريكية الأكثر أماناً تظهر بشكل أكثر جاذبيةً للمستثمرين العالميين؛ حتى يتمكَّنوا من سحب الأموال من البلدان الفقيرة والمتوسطة الدخل، واستثمارها في الولايات المتحدة. وهكذا تؤدي هذه التحوُّلات إلى ارتفاع الدولار الأمريكي وتدفع العملات إلى الانخفاض في العالم النامي.

2– زيادة عجز الموازنة الأمريكية: يؤدي رفع أسعار الفائدة إلى زيادة تكاليف الاقتراض للحكومة الأمريكية؛ ما يُفضِي إلى زيادة الدين القومي وزيادة عجز الميزانية. ومن المُرجَّح أن إجمالي عجز الموازنة التقديري سيكون 12.7 تريليون دولار خلال الفترة من 2022 إلى 2031؛ حيث إن زيادة المُعدَّلات بمقدار 0.5% فقط من شأنه أن يزيد العجز بمقدار تريليون دولار، ومن المتوقع أن تصل النسبة المئوية للدين الوطني من الناتج المحلي الإجمالي إلى 107.5% في عام 2031. وإذا كانت المُعدَّلات أعلى بمقدار 50 نقطة أساس، فسوف يرتفع هذا إلى 110.6% من الناتج المحلي الإجمالي.

3– حاجة الدول إلى رفع الفائدة: وسط تصاعد المخاوف بشأن استمرار ارتفاع وتيرة التضخم، والتخوف من انخفاض أسعار صرف العديد من العملات مقابل الدولار الأمريكي؛ تحتاج البنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة الكبرى إلى رفع أسعار الفائدة في المتوسط بمقدار 0.1% إضافية لتعويض انخفاض بنسبة 1% في عملاتها. ولعل هذا ما يفسر قرار بنك إنجلترا رفع سعر الفائدة الرئيسي إلى أعلى مستوى منذ 13 عاماً، عقب إعلان الاحتياطي الفيدرالي عن رفع أسعار الفائدة الأمريكية؛ حيث يكافح صناع السياسة في جميع أنحاء العالم التضخم الناجم عن ارتفاع أسعار الطاقة والحرب الروسية في أوكرانيا؛ إذ بلغ التضخم في المملكة المتحدة أعلى مستوياته في 30 عاماً وسجل 7% مارس الماضي، كما بدأت البنوك المركزية الأخرى في الدول المتقدمة، من السويد إلى أستراليا، تتخذ إجراءات مماثلة.

4– تراجع العملات مقابل الدولار: تراجعت العديد من قيم العملات بعد قرار رفع سعر الفائدة الأمريكي، ووصل الدولار الأمريكي إلى أعلى مستوى له مقابل سلة من العملات المنافسة خلال 20 عاماً. على سبيل الذكر، لامس اليورو أدنى مستوى له في خمس سنوات مقابل الدولار بأقل من 1.05 دولار الأسبوع الماضي؛ ما أثار تكهنات متجددة بأنه قد يتساوى مع العملة الأمريكية؛ إذ إن تداعيات الأزمة في أوكرانيا تعوق اقتصاد منطقة اليورو؛ حيث إن التراجع البالغ 7% في قيمة اليورو حتى الآن هذا العام لم يمر دون أن يلاحظه أحد في البنك المركزي الأوروبي. ومع ذلك، نظراً إلى قرب الاقتصادات الأوروبية من أوكرانيا واعتمادهم الأكبر على واردات الطاقة، يعتقد المستثمرون بدرجة متزايدة أن البنوك المركزية في أوروبا ستكافح لمواكبة بنك الاحتياطي الفيدرالي؛ حيث انخفض الجنيه الإسترليني إلى أدنى مستوى في عامَيْن الأسبوع الماضي حتى بعد أن رفع بنك إنجلترا أسعار الفائدة في اجتماعه الرابع على التوالي.

5– تناقُص استثمار العملات المُشفَّرة: شهدت أهم العملات المُشفَّرة تراجعاً ملحوظاً على إثر ارتفاع سعار الفائدة الأمريكية؛ حيث تراجعت سعر عملة البيتكوين إلى ما دون 30 ألف دولار لأول مرة منذ يناير الماضي؛ إذ بلغت قيمة العملة المُشفَّرة الأشهر في العالم 29854 دولاراً بعد أن بلغت مستويات قياسية في منتصف أبريل الفائت حين وصل سعرها إلى 64870 دولاراً. ويأتي هذا التراجع بعد أن كثفت الصين محاولاتها لتنظيم المعاملات بهذه العملة. ومن المُرجَّح أن تنخفض العملات الرقمية المشفرة أكثر مع قيام بنك الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة، ومن ثم وضع حدًّا لعصر من المضاربات؛ حيث ابتعد المستثمرون عن الاستثمارات ذات المخاطر العالية، بالنظر إلى قيام بنك الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة عدة مرات في عام 2022 في محاولة لكبح جماح مُعدَّلات التضخم التي وصلت إلى أعلى مستوياتها في 40 عاماً.

معضلة الأسواق الناشئة

من شأن ارتفاع أسعار الفائدة في الاقتصادات المتقدمة إذا كان مدفوعاً بتوقُّع إجراءات أكثر تشدُّداً من جانب البنوك المركزية، أن يُلحِق الضرر باقتصادات الأسواق الصاعدة؛ حيث يعني ارتفاع أسعار الفائدة المرتفعة في الولايات المتحدة، ارتفاع قيمة العملة الأمريكية؛ ما قد يجعل الأمر أكثر تكلفةً بالنسبة إلى البلدان الأخرى للوفاء بالتزامات ديونها المُقوَّمة بالدولار. ويمكن الإشارة إلى أهم تداعيات ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية بالنسبة إلى الأسواق الناشئة فيما يأتي:

1– تفاقم مشكلة الديون: ربما تؤدي قرارات السياسة النقدية للولايات المتحدة إلى تفاقم المشكلات الاقتصادية للأسواق الناشئة؛ فمن المُحتمَل أن تُفضِي القرارات الأمريكية الأخيرة إلى خلق مشكلات في دول الأسواق الناشئة، لتتزايد بذلك المطلوبات بالدولار في كثير من الأسواق الناشئة بنسبة كبيرة؛ لذا من المُرجَّح أن ترفع البنوك المركزية في الدول الناشئة والنامية أسعار الفائدة، وقد بدأ ذلك بالفعل؛ فعلى سبيل الذكر، رفع البنك المركزي الهندي سعر الفائدة الرئيسي إلى 4.4% من 4% في محاولة لاحتواء التضخم السريع الارتفاع. علاوة على ذلك، يمكـن أن تواجـه اقتصـادات الأسواق الصاعـدة والاقتصادات الناميـة خـروج المزيد مـن رؤوس الأموال، وتراجعـاً أكبـر في قيمـة عملاتها، حتى قبل ارتفاع الدولار هذا العام، كان ما يقرب من 60% من الدول المنخفضة الدخل مُعرَّضة لخطر أزمة الديون.

2– تضخُّم الأزمات الاقتصادية: يمكن أن يتسبَّب ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية في أضرار اقتصادية للأسواق الناشئة من خلال إبطاء النمو وتقليص الوظائف والضغط على المقترضين التجاريين. ويُحتمَل أيضاً أن يُرغِم الحكومات المَدِينة على إنفاق المزيد من ميزانياتها على مدفوعات الفوائد. وتجدر الإشارة هنا إلى أن بعض البلدان لا تزال عرضة للصدمات المالية، ومنها التي تعتمد بدرجة كبيرة على النفط المستورد وسلع أخرى، ولديها احتياطيات منخفضة مقارنة بما تدين به لدول أخرى. وتأتي سريلانكا على رأس قائمة الأكثر تعرُّضاً للمخاطر المالية؛ حيث أعلنت في شهر أبريل الماضي أنها تُعلِّق سداد الديون الخارجية بينما تعمل على برنامج إعادة هيكلة القروض مع صندوق النقد الدولي.

3– احتمالات تراجع أسعار النفط: نظراً إلى العلاقة السلبية بين أسعار الفائدة الأمريكية وحركة الدولار، فمن المُتوقَّع أن تواجه بعض الدول المنتجة والمُصدِّرة للنفط تحديات اقتصادية ومالية نتيجة الإنخفاض المُتوقَّع في أسعار النفط التي تتأثَّر سلباً بقرار رفع الفائدة. وقد يؤدِّي هذا الانخفاض في أسعار النفط إلى تباطؤ في وتيرة الإنفاق الرأسمالي الحكومي، ومن ثم إلى تراجع في النشاط الاقتصادي.

ولعل هذا ما يُفسِّر قيام بعض الدول برفع أسعار الفائدة بعد قرار الاحتياطي الفيدرالي؛ حيث رفعت البنوك المركزية في دول الإمارات والسعودية والبحرين والكويت وقطر أسعار الفائدة المرجعية. وعلى سبيل الذكر، أصدر البنك المركزي السعودي بياناً برفع سعر الفائدة بنحو سعار الفائدة الرئيسية بمقدار 50 نقطة أساس، ليرتفع معدل اتفاقية إعادة الشراء بمقدار 0.5 نقطة مئوية إلى 1.75%، وسعر إعادة الشراء العكسي 0.5% إلى 1.25%. ورفَع مصرف قطر المركزي فائدة سعر الإيداع 25 نقطة أساس ليرتفع من 1.25 % إلى 1.50%، في حين أبقى سعر الإقراض وسعر عمليات إعادة الشراء دون تغيير.

4– التأثير على أنشطة البورصة: من المُحتمَل أن يكون لقرار رفع الفائدة على الدولار تداعيات سلبية على الاستثمار في أسواق المال (البورصات) في عدد من الدول، في ظل التنافس بين سعر الفائدة على الودائع وعائد الاستثمار في البورصات الأمريكية؛ إذ قد يؤدي رفع الفائدة إلى انسحاب السيولة من الأسواق المالية نحو الاستثمار في الودائع المصرفية، في ظل عائد أعلى ومخاطرة أقل. ويؤدي رفع الفائدة إلى ارتفاع سعر الصرف؛ ما قد يؤثر على اتجاه المستثمرين بعيداً عن أسواق الأسهم والسلع إلى أسواق العملات.

وختاماً.. نظراً إلى الدور الفريد الذي يلعبه الدولار في النظام المالي العالمي، فإن قوته تجعل من الصعب على الشركات والأسر الوصول إلى التمويل في العديد من الاقتصادات خارج الولايات المتحدة؛ فمع ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية، وما أعقبه من ارتفاع الدولار، نشهد تشديداً في الأوضاع المالية العالمية؛ فلا تزال الولايات المتحدة تواصل صنع المشهد الاقتصادي في العالم. وفي هذا الصدد، يُرجَّح أن تكون للسياسـات الوطنيـة الفعالـة والجهود المتعـددة الأطراف أهميـة أكبـر في تشـكيل النتائـج الاقتصادية للدول. وسـيكون علـى البنـوك المركزية إجـراء تصحيحـات أكثـر حـدةً في سياسـاتها النقديـة في حالـة بـدء انحـراف التوقعـات التضخميـة عن الأهداف التي حددتها البنوك المركزية على المدى المتوسط أو الطويـل. ولا يزال الجميع في ترقُّب لستة ارتفاعات أخرى خلال عام 2022 لترتفع مستويات الفائدة من مستويات قرب الصفر إلى ما يناهز 1.9% بنهاية العام الجاري.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى