مصائب ترامب حتى على بلاده
طلال عوكل

بنفسه وعلى طريقة البلطجية يعلن الرئيس الفاشل دونالد ترامب واحدة أخرى من غزواته التي تخدم إسرائيل وحدها، وربما تلحق أضراراً جسيمة بالمكانة الهابطة دولياً التي وضع بلاده فيها.

كما في حلقات التطبيع السابقة التي شملت حتى إعلانه ثلاث دول عربية يعلن ترامب عن اتفاق بين إسرائيل والمغرب على تطبيع العلاقات بين البلدين، ويتبرع من رصيد بلاده بدفع الثمن للمغرب إن كان ثمة من ثمن يستحق هذا القرار.

التطبيع لن يتوقف على إقامة علاقات دبلوماسية بين الدولتين، وإنما سيكون تطبيعاً شاملاً، سبقته جملة من النشاطات والإجراءات التي كانت تسهل لليهود المغاربة وغير المغاربة، زيارة البلاد وممارسة نشاطات تخرج عن الطابع الاجتماعي أو السياحي.

يقدم ترامب للمغرب، هدايا، من نوع استراتيجي لطالما كانت موضع صراع وخلافات ومداولات وتدخلات وقرارات دولية لم تنجح كلها في أن تحسم موضوع الصراع على إقليم الصحراء الغربية.

يعترف ترامب بالنيابة عن الولايات المتحدة، بسيادة المغرب على الإقليم المتنازع عليه، والذي لم يقتصر النزاع عليه على مكان الصحراء وإنما يمتد ليتخذ أبعاداً إقليمية. ولأن ترامب يعرف التداعيات التي ستنجم عن هديته المسمومة، في بلد يسير المليونيات تضامناً مع فلسطين، وملكها هو رئيس لجنة القدس، بالإضافة إلى أن القرار سيؤدي إلى تصعيد الصراع المسلح، وتصعيد التوتر مع الجزائر بالأخص فإنه يضيف إلى هديته صفقة أسلحة بمليار دولار.

الأسلحة مطلوبة في هذه الحالة، طالما أن الصراع سيحتدم، ولو بقي ترامب على رأس الإدارة الأميركية فربما كان سيرسل طائرات (بي 52) العملاقة، بالإضافة إلى قطع بحرية، وقواعد أرضية.

لكن غياب ترامب لا يغيب الدعم اللوجستي العسكري والأمني لنظام الملك، ذلك أن إسرائيل ستكون حاضرة لتقديم المساعدة، بل إنها تجد فرصتها للتمدد في طول المنطقة العربية وعرضها.

الجزائر التي أبدت قلقاً واضحاً إزاء القرار الذي سيجلب الإسرائيليين إلى جوارها تحذر من أن القرار سيؤدي إلى تعكير الاستقرار في المنطقة التي نجت حتى الآن من رياح التغيير العربي كما وقع في عديد الدول العربية.

وبالرغم من أن تونس كانت الأولى التي تدشن زمن “الربيع العربي”، منذ أن أقدم البوعزيزي على حرق نفسه إلا أن الجزائريين لم يجاروا وضعية الصراع، وإنما انتهت عملية التغيير عبر صناديق الاقتراع وبعد احتجاجات شعبية ذات طابع سلمي.

ومثله مثل من سبقوه يعلن وزير خارجية المغرب أن بلاده ستظل ملتزمة بالحقوق الفلسطينية، وبدعمها لقيام دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة العام 1967، وربما الالتزام بمبادرة السلام العربية ولكن بطبعتها الإسرائيلية.

لا يعرف أحد كيف لتلك الدول التي طبّعت علاقاتها مع إسرائيل وشرّعت أبواب بلدانها لكل أنواع وأشكال النشاط الثقافي والسياسي والاجتماعي والسياحي والاستخباراتي، كيف ستستثمر ذلك لخدمة القضية الفلسطينية أم أنها ستغلق أبوابها أمام الفلسطينيين.

هكذا تنقلب الآية، فيصبح الإرهابي العنصري سارق الحقوق، مقبولاً يسرح ويمرح بكل التسهيلات الممكنة، ويتحول صاحب الحق، ابن الأمة العربية، إلى منبوذ ومحاصر، في بلاد العرب.

الخطوة الأميركية الإسرائيلية المغربية، من شأنها أن تصعّد التناقصات الداخلية في المغرب، وفي الإقليم الصحراوي، ومع الجوار وتؤدي إلى زعزعة الاستقرار.

يتبجّح نتنياهو وترامب، بأنهما ينجحان في تعميم السلام في المنطقة، فيما أهلها غافلون عن أن ما رضخوا إليه، من شأنه أن يقوي ويصعّد الصراعات في مناطق حساسة، حين يجعل الإسرائيلي شريكاً.

بالتأكيد فإن السياسات التطبيعية ستؤدي إلى سباق تسلح رهيب في المنطقة، ولكنه مضبوط على وقع الشروط الإسرائيلية التي ستمنع وصول أسلحة متطورة لأي طرف يمكن أن يهدد يوماً إسرائيل.

هذا يعني أن مليارات الدولارات ستذهب إلى خزائن تجار السلاح الأميركيين والإسرائيليين، وتحيل إسرائيل إلى دولة إقليمية عظمى دون أن يحقق للعرب الاستقرار والأمن والحماية، إن ما يجري هو تنصيب إسرائيل وصية على أمن الأنظمة العربية، وطرفاً مقرراً في سياساتها بما يهدد استقلالها النسبي.

قلنا كما غيرنا أكثر من مرة إن الأسابيع المتبقية من زمن ترامب ستكون خطيرة للغاية، فهو لا يكتفي بالتطاول على حقوق الآخرين، وتكريس قوة الولايات المتحدة لصالح استراتيجيات ومصالح إسرائيل العنصرية، وإنما أيضا لوضع العصي في دواليب السياسة الأميركية في زمن بايدن.
هكذا ستكون مهمة الإدارة الجديدة صعبة للغاية، وقد لا تكفي سنوات بايدين الأربع القادمة، لتصحيح ما خلفته مرحلة ترامب من دمار وخراب بالنسبة لصالح الولايات المتحدة.

ترامب الذي دمر التقاليد الديمقراطية للولايات المتحدة، وأجج فيها العنصرية، وأحدث شرخاً عميقاً في المجتمع وبين الحزبين الديمقراطي والجمهوري، وألحق تشويهات كبيرة في سمعة بلاده لا يزال يحلم بأنه سيدخل البيت الأبيض بعد ثلاثة أسابيع، وذلك بالرغم من الصفعات القوية التي تلقاها من القضاء الأميركي الفيدرالي وقبلها في الولايات.

الأفضل لترامب أن يطلب الجنسية الإسرائيلية وسيحصل عليها بسرعة، إذ سيكون بإمكانه الفوز في الانتخابات حتى يكمل مسيرة شريكه نتنياهو الآيل للسقوط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى