مصر والولايات المتحدة.. شراكة إستراتيجية وسط ألغام سياسية
محمد أبوالفضل

أصبح لسان حال الكثير من المراقبين لتطور العلاقات بين مصر والولايات المتحدة مشدودا نحو العثور على إجابة مقنعة على سؤال: هل تنتصر الشراكة الإستراتيجية بين البلدين وتبطل مفعول ألغام حقوق الإنسان التي بدأت تتناثر على جانبي طريق الإدارة الأميركية تحت قيادة جو بايدن أم تنفجر الألغام وتتأثر الشراكة سلبا؟

في المرات التي أبدت فيها واشنطن تجاوبا سياسيا وأمنيا مع القاهرة زجت بملف حقوق الإنسان إلى الدرجة التي يتصور كثيرون أنه الوحيد الذي يرسم شكل العلاقة بينهما، وما عداه يأتي لاحقا.

Font Awesome Icons

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي:

في الاتصال الهاتفي الذي أجراه وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن الثلاثاء 23 فبراير مع نظيره المصري سامح شكري نُشرت الديباجة التقليدية الخاصة بالشراكة وأهميتها، ثم أردف البيان الأميركي القول إن بلينكن أثار مع شكري “المخاوف المتعلقة بقضية حقوق الإنسان في مصر والتي ستكون محورية في العلاقات الثنائية”.

قبل أسبوع واحد من هذا الاتصال أعلنت الولايات المتحدة أنها وافقت على صفقة لبيع أسلحة لمصر بنحو 200 مليون دولار، واعترفت بأنها “لا تزال شريكا إستراتيجيا مهما لها في الشرق الأوسط”، ثم أكدت عزمها على “الضغط على القاهرة في ملف حقوق الإنسان”. لم يغب هذا المحور سوى في اللقاء الذي عقده الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بالقاهرة مع قائد القيادة المركزية الأميركية الفريق أول كينيث ماكينزي في 22 فبراير.

يبدو أن ملف حقوق الإنسان سيكون المحدد الرئيسي الذي تقيس به الإدارة الأميركية رضاها أو غضبها مع الدول الحليفة وبينها مصر بعد أن سيطر على تفكير بعض وسائل الإعلام وأعضاء في الكونغرس وعدد من الطواقم السياسية في البيت الأبيض ووزارة الخارجية، ما يعني أن هناك استنفارا جماعيا، وإذا جرى الاحتكام إلى هذا الملف فقط، من الآن يمكن توقع ربيع ساخن بين واشنطن والقاهرة.

أكدت إدارة جو بايدن الأربعاء 24 فبراير أنها مستمرة في جهودها الرامية للعودة إلى الساحة الدولية عبر تحركات عدة، منها السعي للحصول على مقعد في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وهي إشارة تبيّن المضي في التسلح بالأدوات التي تمكنها من ممارسة دورها في هذا المجال، بمعنى أن المسألة لن تتوقف عند مصر.

جاء الرئيس بايدن محملا بميراث إدارة باراك أوباما السلبي في مجال الحريات مع القاهرة، ومستعينا بعدد كبير ممن عملوا في إدارته، وهو مبرر يكفي للقول بكثرة الشد وقلة الجذب حتى لو حاول البنتاغون ضبط جانب من التوازنات كي لا تختل العلاقات مع مصر أو تتأثر بما سيتم ترديده من خروقات بشأن السجل الحقوقي.

رفعت واشنطن سقف التوقعات في مجال حقوق الإنسان معتقدة أنها قادرة على تغييره بالطريقة التي تريدها، وتتجاهل أن هناك بيئة سياسية راسخة مكنت الكثير من الأنظمة المصرية من التعامل مع الحريات وفقا لمفهومها الخاص، قد يتصاعد أو يهبط في منظومة العلاقات المشتركة، لكن يظل محل تساؤلات من جانب واشنطن وممانعة من القاهرة.

في أوج العلاقات الزاهية بين الولايات المتحدة ومصر إبان عهد الرئيس الراحل حسني مبارك لم تغب ظلال حقوق الإنسان، ومثلت منغصا أساسيا فيها، لكنها لم تؤد إلى قطيعة أو تقود إلى استخدام أدوات قاسية للضغط عليه بالقدر الذي يجبره على تلبية كل مطالب الإدارات الأميركية التي تعاقبت عليه وهو قابع في السلطة.

عندما حدث الضغط الحقيقي كان الرجل في ظرف استثنائي يتعلق باندلاع ثورة 25 يناير 2011، حيث تأكدت واشنطن وقتها أن نظام مبارك في سبيله إلى الرحيل ولن يستطيع الصمود أمام الحشود البشرية في شوارع وميادين القاهرة الرئيسية، وجاء ملف الحريات مغلّفا بهذه الثورة وليس مستقلا بذاته.

يتعامل النظام المصري مع إدارة بايدن بخليط من الاهتمام واللامبالاة في ملف الحريات إلى حين يتأكد من نواياها الحقيقية، حيث اتخذ خطوات إيجابية بالإفراج عن عدد من المعتقلين المدنيين، وأمعن في اتخاذ إجراءات ضد قيادات إخوانية ووضعها على لوائح إرهاب، ومصادرة أموال يتم استخدامها في تمويل عمليات عنف.

أصابت الرسائل المتناقضة واشنطن بالحيرة، فكيف تفتح هذا السجل على مصراعيه وهي ترى مقدمات تحرك إيجابي غير مألوف؟ ومكّن هذا النوع من التحرك المحسوب القاهرة من الإيحاء بأنها تريد تحسين سجلها.

وكل ما اتخذته سابقا من خطوات تضييق في الفضاء العام كان سببه وجود تهديدات ومخاطر وليس رغبة في ارتكاب انتهاكات ضد أحد، ويفسر تزايد اهتمام الرئيس السيسي بالبسطاء والفقراء وسكان العشوائيات وتحسين مستوى معيشتهم على أنه يندرج ضمن حقوق الإنسان المنسية في الأجندة الأميركية.

تريد القاهرة حصر ما يتردد على أنه انتهاكات في ملف حقوق الإنسان على جماعة الإخوان لتتمكن من حصد تعاطف من الذين لا يثقون في توجهات قيادات الجماعة في الغرب، ووضع العصي بين عجلات الإدارة الأميركية ليبدو دفاعها عن الحريات كأنه محصور أو مرادف للدفاع عن الإخوان.

صوّر الاهتمام الأميركي الواسع بالحريات عموما في مصر أن بايدن قرر اعتماده كبوصلة سياسية له، وهو تصور عززته تصريحات سلبية صدرت عن مسؤولين حيال القاهرة إلى الدرجة التي جعلت وزارة الخارجية في أول بيان إيجابي نحوها والخاص بصفقة الأسلحة تشير إلى تعهدها بمتابعة قضية اعتقال عدد من أفراد أسرة إخواني مصري يحمل الجنسية الأميركية كعلامة على أنها لن تتهاون في هذه القضايا.

أضفت التلميحات والتصريحات المتباينة طابعا جديا وقابلته الإدارة المصرية بجدية مماثلة، حيث تريد جر واشنطن إلى الدفاع فقط عن التيار الإسلامي بما يفرغ خطابها السياسي من مضمونه العام لدى المصريين ويعيد تذكيرهم بأن بايدن نسخة مكررة من أوباما، ويبدو الرجل مدافعا شرسا عن حقوق الإنسان ليعيد الإخوان إلى السلطة، أو على الأقل السماح لهم بالانخراط في المشهد السياسي.

نجح النظام المصري في توسيع الفجوة بين الإخوان وبين المواطنين ليجهض أي محاولة أميركية تبغي توظيفهم سياسيا في أي وقت، لذلك يواجه بايدن أشواكا في الشارع المصري، فإذا أراد التظاهر بالدفاع عن حقوق الإنسان كمبدأ سيجد نفسه وجها لوجه أمام الدفاع عن فصيلة واحدة من المصريين، ما يفقده جانبا من مصداقيته، وهو الرهان الذي تعوّل عليه القاهرة للحفاظ على علاقتها الإستراتيجية مع واشنطن وانتصارها على أي معوقات، إذ تعتقد أن ضرورات الشراكة لن تبيح المحظورات والألغام في مجال حقوق الإنسان الذي ورثه النظام المصري عن سابقيه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى